فهرس الكتاب

الصفحة 25249 من 27345

علجية عيش

صحافية من الجزائر

إن ما حدث في العشرية الحمراء و يحدث اليوم من تغيير في القوانين و المنظومات و تدمير للمؤسسات كلف الشعب بعضا من أقدس حقوقه الديمقراطية، و ربما العشرية الحمراء كانت تشبه نوعا ما أسطورة الخطر الأحمر، لأنها تناسب الذهنية المسيطرة آنذاك عندما غرقت الشعوب في بحر الهستيريا الدموية، فكان ضحيتها الشعب دفع ثمنا غاليا ، وكما قال فرنكلين روزفلت الرئيس الثاني و الثلاثون للولايات المتحدة:"كان على هذه الأمة أن تتحمل حكومة لم تكن تسمع شيئا و لا ترى شيئا و لا تفعل شيئا، كانت الأمة تتوجه إلى الحكومة و لكن أنظار هذه كانت تحدق إلى مكان آخر فعاشت في سراب و دمار".وقد خلق هذا الدمار هوة سحيقة ما زالت تفصل و بشكل خاص المجتمع الجزائري عن ممارسته الفعلية للعمل السياسي رغم ما تعيشه الجزائر من مستجدات و هي تنتظر بشوق كبير متى تتحقق المصالحة الوطنية التي وعد بها رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة منذ توليه كرسي الرئاسة في عهدته الأولى من سنة 1999، و مضى ما يقارب ست سنوات ولم يتحقق هذا المشروع الإصلاحي و لم تحن ولادته حتى و لو كانت بطريقة قيصرية ، لأن الفكر الدكتاتوري و هو فكر ظلامي ما يزال يعزل هذا المشروع و يشكل الهوة الكبرى للإنسان الجزائري باعتباره كائنا اجتماعيا بطبعه يريد إقحام نفسه في قضايا مجتمعه و مساهمته في طرحها و مناقشتها و اقتراح الحلول الناجعة لها. و في ظل سياسة تكميم الأفواه و قطع الألسن نجد الكل يخشى من ممارسة العمل السياسي و الابتعاد عن حفره و مطباته ونسمع الجميع يردد مخاطبا الآخر (دعك من البوليتيك evite la politique ، وكأننا ما زلنا نعيش عصر الاستبداد و الإستدمار ولما لا و نحن نعيش استدمارا فكريا مدمرا. لم تكن السلطة وحدها التي تمارس هذا النوع من الاضطهاد الفكري لإخضاع الفرد و ضمه تحت جناحها بل كانت جميع الأطراف مجندة لحصر الجميع في دائرتها المغلقة تشكله كما تريد داخل كتلتها و هو مضمد الأعين دون أن يعي ما يجري حوله ودون أن تفسح له المجال للممارسة السياسية. إن مفهوم الممارسة السياسية يعني لدى العامة حق الانتخاب و حق مراقبة السلطة وانتقادها و محاسبتها، و من هذه المفاهيم تجعلنا نتساءل من ينتقد السلطة؟ هل الشعب و بالتالي نكون قد حققنا القفزة المطلوبة و هي الديمقراطية الذي يكون فيها للشعب نصيب في الحكم عن طريق ممثليه و هي الأحزاب، هذه الأخيرة التي وضع فيها الشعب ثقته و هذا بالضرورة يدعوها إلى نوع من التحرر من كل القيود و الضغوطات و السؤال يطرح نفسه و الجزائر تعيش التعددية الحزبية ألا يفسح هذا الحق المجال لتضارب الأحزاب فيما بينها؟ هذا هو واقع اليوم، بعض الأحزاب الجزائرية شكلت ما يسمى بالتحالف ، هذا التحالف لا يعني بالضرورة ضعف كل حزب على حدا بل لضرب قوة ما و إعطاء الضربة القاضية رغم اختلاف برامجها و نظامها الداخلي. إن وجود الحزب يعني الكفاح من أجل الوصول إلى السلطة و كأن هذه الأخيرة تحولت إلى سلعة معروضة في سوق المزاد ، سوق يسيطر عليها المحتكرون و رجال النفط بينما المشترون النافذين لمنصب رسمي يتبادلون الشتائم و هذا ما يحدث بين جل الأحزاب الجزائرية سواء تلك التي تبنت النهج الديمقراطي أو التي اتبعت المنهج الإسلاموي أو الراديكالي العلماني و ما أكثرها الأحزاب السياسية في الجزائر ما يفسر تواجد الوعي السياسي و التحضر السياسي و هي في حقيقة الأمر لا تحمل من مبادئ سوى ما يسيء إلى الشعب و تكاد تقول له في سخرية:"احلم أيها الشعب ما طاب لك من الحلم فإننا بفضلك نصل إلى ما نريد و سننالك و نحملك كل المسؤوليات لأننا نتقن صنع المؤامرات و قلب الصفحات و ما أنت سوى ورقة انتخابية بيضاء..!"..

وهكذا كانت الخيانة العظمى و هي جريمة سياسية تهدف إلى الإضرار بسلامة الوطن من الداخل قبل الخارج و نظام الحكم فيه ، لأن الممارسة السياسية أدت إلى نشوء مشكلات انتهت بتفكك المجتمع بسبب التعددية الحزبية التي انقسمت بدورها إلى شريحتين: مستغِلة تقف إلى جانب النظام و مستغَلة يقصيها النظام فلا تجد بدا من مناهضته .إن خيانة ترتكب ضد حكومة ما لجريمة أخف وطأة من خيانة ضد الشعب، هناك ألوف الطرق لخيانة الشعب فمن الممكن الاستبداد به بواسطة العنف و الإرهاب و من الممكن تجريده من أملاكه و حقوقه بإعلان قوانين جائرة و تحويل المحاكم إلى أدوات قمع و نشر الدعاية الكاذبة و تحريض فئتين من المجتمع الواحدة منهما ضد الأخرى دون ما سبب، و إشعال نيران الحرب و هكذا تخان الشعوب من خلال مؤامرة حاكتها أيادي فئة معينة تتمتع بشيء من الامتيازات قررت أن تحتفظ بالحكم مهما كلف الأمر و إن تضاعفت امتيازاتها على حساب التضحية بالأكثرية العظمى...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت