فهرس الكتاب

الصفحة 9737 من 27345

الفكر البشري القديم

الأستاذ أنور الجندي

المؤامرة الخطيرة التي تواجه الفكر الإسلامي في العصر الحديث، هي محاولة قوى التغريب (الاستشراق والتبشير) إعادة طرح الفكر البشري القديم الوثني والإباحي مرة أخرى، لتزييف هذا الفكر الرباني وتمييعه واحتوائه.ولقد كان الفكر الإسلامي دائمًا متفتحًا لثمرات الفكر الإنساني، ولكنه كان قادرًا حتى في أشد مراحل الضعف والتخلف على المحافظة على ذاتيته، والحيلولة دون انصهاره في الفكر الأممي، ذلك لأن مقوماته الأصلية وقيامه أساسًا على التوحيد، حال دائمًا دون هذا الانصهار وهذا الاحتواء الذي فرضه الغزو الخارجي عليه.

بين جولتين:

وقد كان الفكر الإسلامي في الجولة الأولى (إبان ترجمة علوم اليونان والفرس والهنود) في نهاية القرن الأول وبدلية القرن الثاني وحتى الثالث، قادرًا على أن يتوقف دون ترجمة الفسلفة والقانون والشعر أول الأمر، ثم لما ترجمت الفلسفات واجهها علماء المسلمين في قوة، وكشفوا أن منهجها لا يتفق مع منهج التوحيد.

أما في الجولة الثانية (هذا العصر) فقد استطاع النفوذ الأجنبي أن يفرض ترجمات كل ركام الفكر البشري ووثنياته وإباحياته، نمن أساطير وشعر وفلسفات مادية، دون أن يكون هناك حائل لذلك، وأن تمكن أعلام حركة اليقظة الإسلامية من كشف زيف هذا الركام البشري.

ولقد كان هدف دعاة الغزو الفكري من هذه الخطة إعادة الفكر إلى الإيمان بالجبر، وعودة الإنسان إلى الوثنية، والدعوة الملحة إلى الانطلاق من القيم والتحرر من الأخلاق إلى حيوانية الطعام والجنس.

أخطر ما طرح في أفق الإسلام:

ولعل أخطر ما طرح في الفكر البشري في أفق الإسلام في العصر الحديث:

النظريات المادية الماركسية.

الأخطار الفلسفية والوجودية.

الكشوف الأنثروبويولوجية التي دعت إلى استغلال الأسطورة في تفسير الحياة الإنسانية.

المذاهب الفلسفية التي ردت الإنسان إلى الحيوانية.

نظرية دارون.

مقارنات الأديان التي تقوم على أكذوبة أن البشرية كانت وثنية ثم اعتنقت التوحيد مع ظهور اليهودية.

ولقد دعا الإسلام معتنقيه إلى اليقظة تجاه الفكر الوافد وحرر أتباعه من التأثير الأجنبي بكل أنواعه، ودعا إلى الحرص إزاء محاولة إدعاء الإسلام تغيير المعالم الأصلية للعقيدة الإسلامية وللفكر والثقافة ومحاولة تزييف مزاج المسلمين النفسي.

وكان أعداء الإسلام يعلمون أن الطريق الوحيد إلى القضاء على"وحدة الفكر الإسلامي"هو ضرب الأمة من خلال قوائم فكرها بإثارة الشبهات وإدخال مفاهيم وتفسيرات غربية تختلف عن التفسيرات الأصلية.

وميزة الفكر الإسلامي:

كذلك كان من أكبر ميزات الفكر الإسلامي، هي قدرته الواضحة على التماس المنابع حين يفتقد النص القرآني أو التوجيه النبوي، فهو حين يتفتح على الثقافات العالية يأخذ منها بحذر ولا يأخذ كل شيء، ويرد الباقي من السيل المتدفق الذي يقدم إليه، فهو لا يأخذ إلا ما يتفق مع الأساليب والوسائل لا الأصول، وما يتفق مع طابعه وما يزيده قوة وكل ما يأخذه يصهره في بوتقته صهرًا تامًا ويحيله إلى طابعه.

ولقد كان الفكر الإسلامي ولا يزال - وسيظل - قادرًا على أن يعمل داخل الإطار الذي رسمه القرآن وحدده وأن يحكم المسلمون على كل ما يواجههم في ضوء القرآن والسنة لا يتعداهما إلى مصدر آخر.

وفي هذا بالمجال فرق الفكر الإسلاتمي بين المعرفة والثقافة، فالمعرفة عامة والثقافة خاصة، ولكل أمة ثقافتها المستمدة من عقيدتها وشريعتها وأخلاقها كذلك فرق بين العارض والأساسي، وبين لالمعارف الجوهرية والمعارف غير الجوهرية، ودعا إلى وحدة الفكر في قطاعاته المختلفة فلا سبيل لفهم قطاع من الفكر الإسلامي وحده منفصلًا عن قطاعاته الأخرى.

كما فرق بين مقاييس العلوم التجريبية، ومقاييس الدراسات الإنسانية التي لا يمكن أن تخضع لأساليب العلوم التجريبية والمادية، لأنها تتصل بالنفوس والأخلاق، كما رفض الفكر الإسلامي مبدأ التقليد الأعمى ومبدأ التبعية وأقر مبدأ الأصالة والتماس المنابع.

تكامل أبعاد الفكر الإسلامي:

وقد قام الفكر الإسلامي في تكامله على أبعاد ثلاثة:

أولًا: عمق زمني: يربط الإنسان بالتاريخ والزمن والواقع وقضايا الحياة.

ثانيًا: اتساع مكاني: يربطه بالأحداث العالمية في العالم المحيط به"وهذا هو الشطر الذي يعتبره الفكر الغربي الحديث أساسًا وحيدًا للفكر"أما الإسلام فإنه يعترف بعلاقة البيئة ولكنه لا يراها العلاقة الوحيدة.

ثالثًا: تكامل موضعي بمعنى وضع الجزء في مكانه من النظرة الكلية الجامعة.

وقد عارض الفكر الإسلامي:"الجمود"الذي يزري بقيمة العقل ويحط من كرامة الإنسان.

وعارض التعصب: الذي يمنع الإنسان من تقليب وجهات النظر المختلفة.

كما عارض التقليد: الذي يجعل الإنسان تابعًا للقديم أو الوافد دون فحص أو تمحيص.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت