د. جمال بادي 12/10/1425
لقد قرأت واستمتعت بقراءة مقال"إرشاد الأسئلة"للأستاذ الدكتور عبد الكريم بكّار وفقه الله، والموضوع حيوي ومهم. ورغم بقاء الجزء الثاني من المقال أيامًا على صفحات الشبكة الدولية إلا أنه لم يحظ بأي تعليق أو تساؤل. فهل سبب ذلك راجع إلى قلّة زوّار الموقع هذه الأيام لانشغال الناس بالعيد؟ أم أنه راجع لقلّة من قرأ المقال وتأثر به؟ وقد يكون الأمر متعلقًا بموضوع هذا التعليق وهو مجرد احتمال.
وأريد إضافة جانبين آخرين لموضوع"الأسئلة"، و"التساؤل"، وهما مرحلتان تسبقان مرحلة"الإرشاد"ولا سبيل لإرشاد الأسئلة بدونهما.
المرحلة الأولى:
تفعيل"روح التساؤل"عند المسلمين، وهي مرحلة الرغبة في التساؤل والإيمان بأهميته وإدراك دوره الفعّال في الفكر والتربية والتعليم والتعلم. هذه الروح الغائبة أو الضعيفة بين المسلمين عمومًا وبين المثقفين والمربين وطلبة العلم والدعاة على وجه الخصوص تطرح تساؤلًا خطيرًا ومهمًا ألا وهو: ما أسباب انعدام أو ضعف هذه الظاهرة؟ ومن المسؤول عنها؟ هل هو التعليم بمناهجه ومقرراته وطرقه وأساليبه؟ أم هو البيت والأسرة والوالدان تحديدًا؟ أم هي البيئة؟ أم هي الثقافة بالشكل الذي آلت إليه في عالمنا الإسلامي في هذا الزمن؟ أم هي تلك الأسباب مجتمعة؟
لا بدّ من تقرير حقيقة مهمة هنا وهي أنّ التكيف مع الأنظمة والآليات والمناهج - رغم ما قد يكون فيها من قصور - تحجب الرؤية عن أولئك المتكيفين عن الحاجة إلى تطويرها، وهو مما يزيد في عمر تلك الآليات لعدد من السنين بل والعقود قبل التفطن لضرورة تطويرها.
وهناك حقيقة أخرى تنبني على السابقة وهي أن استمرار الآليات والمناهج والوسائل والأنظمة في الإنتاج والعطاء لا يدل بحال على أنها الأفضل والأمثل دائمًا. ومن هنا فإن التحدي المبدع الذي يتساءل عن البدائل والإمكانيات والخيارات الأخرى لتيسير العمل والقيام به أو تطويره نحو الأفضل يعدّ سبيلًا ناجعًا لتجاوز عقبة العامل النفسي بالرضا بالروتين القائم وقبوله على أنه الخيار الأوحد والأمثل.
إنه ما لم يحس ويشعر أبناء أمتنا والجيل المسلم المعاصر بأهمية وضرورة"روح التساؤل"وما لم يدركوا دورها الإيجابي والفعّال في التعليم والتعلم والتطور والرقي نحو الأفضل فلن نتوقع منهم العناية بامتلاك المهارات اللازمة لإحيائها وتفعيلها وقد لا ترشدهم الأسئلة إلى شيء مثمر ومفيد ولو طُرِحت عليهم من المربين والمفكرين والمثقفين. وهذا يقودنا إلى الحديث عن المرحلة الثانية من مراحل"الأسئلة"ألا وهي مرحلة"امتلاك مهارات التساؤل". فالتساؤل الذي نروم ونقصد هو التساؤل الذي يقود إلى التفكير الهادف، وإعمال العقل بشكل متزن، وحسن الإدراك والفهم، ويعين على حل المعضلات وتجاوز العقبات والتحديات، ويساعد على إبداع المفاهيم والأفكار النافعة التي ترسي دعائم الحضارة وأسس المعروف والفضيلة في زمان انفلت فيه زمام الأمور، وانقلبت فيه الموازين، وولجت فيه - خلسة - القيم الغريبة الوافدة بيوت المسلمين عبر نوافذ شبكات العنكبوت والشاشات الفضائية مستهدفة عقولَهم وقلوبَهم.
وهنا لي وقفات:
الوقفة الأولى: إن الناظر إلى نوعية الأسئلة المستعملة - في الغالب الأعم - في فصولنا وكتبنا الدراسية، وبرامجنا الفضائية يدرك تمامًا محدوديّتها في التأثير وإيجاد مجتمع مبدع. فهي أسئلة لا تحتاج من التفكير وإعمال العقل سوى استدعاء محفورات الذاكرة أو الرجوع صفحة إلى الوراء في الكتاب ليجد الناشئ أو الطالب إجابة السؤال بحذافيره، ويا لَسعادته! ويكفي ليكون الطالب متميزًا أن يحفظ مفردات المقرر ولو بدون فهم ووعي وإدراك ليتحصل على الامتياز ويهش لنتيجته"الرائعة"أستاذه وذووه!
الوقفة الثانية: إن العجب لا ينقضي من أمة حالها ما وُصِف في الوقفة السابقة، وقد احتوى دستورها الخالد"القرآن الكريم"أكثر من ألف سؤال ( 1) حيث يتعدد التساؤل في بعض السور أكثر من (15) مرة نحو ما ورد في سورة الطور (30 - 43) . بل في كثير من السور يتعدد التساؤل ثلاث مرات في الآية الواحدة. ( 2) والأمر نفسه يُقال عن السنة النبوية ومنهج النبي صلى الله عليه وسلم في تبليغ الرسالة وإقامة الحجة حيث يكثر صلى الله عليه وسلم من استعمال الأسئلة كوسيلة للتعليم والتربية والإرشاد والأمر والنهي. وهي ظاهرة فريدة تستحق أن يفرد لها رسائل متخصصة في مراحل الدراسات العليا بجامعاتنا لبيانها وتجليتها وتحليلها بل واستنباط أفضل أنواع مهارات التساؤل على الإطلاق منها.