فهرس الكتاب

الصفحة 22498 من 27345

(شكوى قريش لأبي طالب الأولى)

لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الله سرًّا في بداية بعثته إلى أن اجتمع حوله عدد من أصحابه، فأمره الله تعالى بأن يجهر بالدعوة (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) (الحجر: 94)

وأمره بأن يبدأ بإنذار أقاربه (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) (الشعراء: 214 ) فأنذر وبشر وجمع بين الدعوة إلى المعروف والنهي عن المنكر , الدعوة إلى عبادة الله وحده والتخلق بمكارم الأخلاق, والدعوة إلى نبذ عبادة الأصنام التي هي أعظم المنكر وكذلك التخلي عن مساويء الأخلاق .

فلما عاب أصنام المشركين وسفه أحلامهم بعبادتها عرفوا أنه لن يَبْقَى على ماهو عليه من دينه ويتركهم على ماهم عليه من المنكر فناصبوه العداء وحاولوا تفريق المؤمنين بدعوته بكل ماأوتوا من قوة وحيلة .

ولما رأوا صلابة إيمان أتباعه وأن أمره صار ينتشر بين جميع طبقات المجتمع بسرعة وقوة حاولوا التأثير عليه ليترك دعوته أو يغير من أسلوبها في النكير عليهم وتسفيه أحلامهم .. حاولوا ذلك بالترغيب أحيانًا وبالترهيب أحيانًا أخرى ولكن حال دون وصولهم إلى أغراضهم صلابته في إيمانه وعطف عمه أبي طالب عليه ودفاعه عنه وتهديده لقريش إن وصلوا إليه بالأذى .

فلما رأى كفار قريش أن محمدًا صلى الله عليه وسلم لن يهون أمام تهديداتهم ولن يلين أمام إغراءاتهم وأن عمه أبا طالب قد قام دونه وحماه , وأن أتباعه يتمسكون بدعوته بقوة ويزيد عددهم بسرعة ذهب بعض أشرافهم إلى عمه أبي طالب لبيان أمره والشكوى منه .

قال محمد بن إسحاق رحمه الله: فلما بادى رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه بالإسلام وصدع به كما أمره الله لم يبعد منه قومه ولم يردوا عليه - فيما بلغني - حتى ذكر آلهتهم وعابها , فلمافعل ذلك أعظموه ( [1] ) وناكروه وأجمعوا خلافه وعداوته إلا من عصم الله تعالى منهم بالإسلام وهم قليل مستخفون .

وحَدِب على رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه أبو طالب ومنعه وقام دونه , ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر الله مظهرًا لأمره لايرده عنه شيء ,فلما رأت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لايُعتبهم ( [2] ) من شيء أنكروه من فراقهم وعيب آلهتهم ورأوا أن عمه أبا طالب قد حَدبَ عليه وقام دونه فلم يسلمه لهم مشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب-وذكر أسماءهم - فقالوا: ياأبا طالب إن ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا وسفه أحلامنا وضلل آباءنا , فإما أن تكفه عنا وإما أن تخلي بيننا وبينه فإنك على مثل مانحن عليه من خلافه فنكفيكه , فقال لهم أبو طالب قولًا رقيقًا وردهم ردًّا جميلًا فانصرفوا عنه .

قال: ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ماهو عليه يظهر دين الله ويدعو إليه , ثم شرى الأمر بينه وبينهم حتى تباعد الرجال وتضاغنوا , وأكثرت قريش ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بينها فتذامروا فيه, وحض بعضهم بعضًا عليه ثم إنهم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى فقالوا له: يا أبا طالب إن لك سنًّا وشرفًا ومنزلة فينا , وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا , وإنا والله لانصبر على هذا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك في ذلك حتى يَهلَك أحد الفريقين - أو كما قالوا - ثم انصرفوا عنه فعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم , ولم يطب نفسًا بإسلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم ولا خذلانه.

قال ابن إسحاق: وحدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حُدِّث أن قريشًا حين قالوا لأبي طالب هذه المقالة بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: ياابن أخي إن قومك قد جاؤوني فقالوا لي كذا وكذا , للذي كانوا قالوا له فَأَبْقِ عليّ وعلى نفسك ولاتُحَمِّلني من الأمر مالا أطيق.

قال: فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد بدا لعمه فيه بَدَاء ( [3] ) وأنه خاذله ومُسْلِمه وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه , فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ياعم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ماتركته .

قال: ثم استعبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى , ثم قام , فلما ولَّى ناداه أبو طالب فقال: أقبل يا ابن أخي , قال:فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت فو الله لاأسلمك لشيء أبدًا ( [4] ) .

وأخرجه الأئمة البخاري في التاريخ الكبير والحاكم والبيهقي , وذكره الهيثمي من رواية الطبراني وأبي يعلى بنحوه , كلهم من حديث عقيل بن أبي طالب رضي الله عنه وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم حلَّق ببصره إلى السماء فقال: فما أنا بأقدر على أن أدع ذلك منكم على أن تستشعلوا منها شعلة, فقال أبو طالب: والله ماكذَّبتُ ابن اخي قط فارجعوا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت