إن الله تعالى جعل المال عصب هذه الحياة، وأداة التفاعل بين الناس، وجعل الأولاد ثمرة القلب وقرة العين. وجعلهما معًا زينة الحياة الدنيا فقال سبحانه وتعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلا} [الكهف: 46] .
وأثبت الواقع أن الناس حين يضعف إيمانهم يفتنون بأموالهم وأولادهم عن طاعة الله تعالى، لذلك حذر الله تعالى المؤمن من ذلك واعتبر ذلك خيانة لله ولرسوله، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنفال: 27] .
لذلك كان لزامًا على كل مسلم أن يتقي فتنة المال ويبتعد عن الحرام بكل صوره، فدورة المال في حياة المسلم أشبه بالنهر في منبعه ومجراه ومصبه، فالمال منبعه الاكتساب ومصبه الإنفاق ومجراه ما بين ذلك وهي فترة تملك الإنسان له، والعبد يحاسب على كل مرحلة من هذه المراحل، ومن أعظم فتن المال اكتسابه من حرام، وطرق الحرام كثيرة ومتعددة ومنها"الاختلاس والسرقة والغلول والرشوة وأكل الحرام وأكل مال اليتيم والغش"، ومن أبرزها استثماره أو اقتراضه الربا.
وبهذا صار المال من أعظم الفتن، لأنه إذا بدأت الفتنة من منبعه فإنه لا يُرجى منه خير بعد ذلك، ومن أراد أن يتقي فتنة المال من منبعه يجب أن يكسبه من حلال، وطرق الحلال كثيرة ومتعددة، كما يجب على المسلم التقي أن يكون حريصًا على الالتزام بشرع الله في معاملاته المالية لأن كل شيء سيحاسب عليه مرة واحدة إلا المال سيُحاسب عليه مرتين، مرة عند اكتسابه ومرة عند إنفاقه، كما قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم:"لا تزولا قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن علمه ماذا فعل به" (أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن عمر) .
أين نستثمر أموالنا؟
لقد أثارت فتنة إيداع الأموال في البنوك التقليدية الكثير من الجدل بين الفقهاء، وترتب على ذلك أن بعض الذين كانوا يستثمرون أموالهم في هذه البنوك بدءوا فعلًا في سحبها منها تجنبًا للشبهات ملتزمين بحديث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم:"إن الحلال بين وإن الحرم بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه"، ووصيته صلَّى الله عليه وسلَّم التي يوصينا فيها:"دع ما يريبك إلا ما لا يريبك".
ويتساءل المسلمون: أين نستثمر أموالنا؟ ويوجد منا الموظف والأرملة والمحال إلى المعاش، وغير ذلك من الذين لا يستطيعون ضربًا في الأرض وهم الآن يودعون أموالهم في البنوك التقليدية بفائدة للحصول على إيراد يعينهم على الحاجات الأصلية للحياة مثل المأكل والمشرب والعلاج والتعليم والمسكن... ونحو ذلك.
كما ظهر سؤال آخر: هل معاملات المصارف الإسلامية حلال؟ وخصوصًا في ظل ما يُثار حولها من شبهات، ومنها: أنها تتعامل مع البنوك التقليدية، وأنها تودع بعضًا من أموالها لدى البنك المركزي، وأنها توزع عائدًا قريبًا من الفائدة التي توزعها البنوك التقليدية، وأن بعض الموظفين فيها يدعون بأنه لا توجد فروق جوهرية بينها وبين البنوك التقليدية، وأنه لا فرق بين التمويل بالمرابحة لشراء سلعة وبين الاقتراض بفائدة من البنوك التقليدية.
كل هذه التساؤلات وغيرها تحتاج إلى إجابة لمن يريد الاستثمار والتمويل وهذا هو القصد من هذه الدراسة.
حيرة ولبس
لقد انقسم المسلمون إزاء التساؤلات السابقة إلى فرق على النحو التالي:
1 -فئة لا تعطي أي اعتبار للحلال والحرام ويهمها العائد الكبير على رأس المال، وتفصل بين الدين والحياة، وبين العبادات والمعاملات، وتقول:"دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله"، وتتعامل مع أي بنك سواء كان وطنيًا أو أجنبيًا، يهوديًا أو إسلاميًا، المهم عندها أن تحصل على أقصى ربحية أو عائد بأي وسيلة حتى ولو بطرق غير مشروعة، وهؤلاء لا يهمهم النواحي الشرعية لاستثمار المال.
2 -فئة تتبع الفتوى التي تتفق مع هوى النفس وتقول:"ضعها في رقبة عالم واخرج سالم"، ولا تريد أن تبذل أي جهد للبحث عن الأدلة والحقيقة، أن تجنب الشبهات، وتميل إلى الأخذ بالرخص.