فهرس الكتاب

الصفحة 21560 من 27345

لا تنظر إلى صِغَرِ الذنب ولكن انظر مَن عصيتعبد الرحمن عبدالخالق ...

كانت هذه الكلمة: (لا تنظر إلي صغر الذنب ، ولكن انظر من عصيت) ، من الكلمات التي نفعني الله بها . فإن النظر إلي تقسيم الذنوب إلي صغائر وكبائر مع جهل هذا التقسيم قد يؤدي إلى وقوع المسلم في أكبر الكبائر ، وهو يظن أنه لم يرتكب إلا الصغائر. وتفصيل هذا الأمر على النحو التالي:

الدين قسمان: خبر وأمر:

الدين الذي تعبدنا الله به قسمان: خبر وأمر .

فالخبر هو ما قصّه الله علينا من شأن الغيب الذي لا نراه ، ولا سبيل لنا إلي معرفته إلا بإخبار الله سبحانه وتعالى ، وأصول الغيب هي الإيمان بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر ، والقدر خيره وشره من الله تعالى.

وأما الأمر فهو ما ندب الله العباد إليه من أن يعبدوه وحده لا شريك له ، وأن ينتهوا عما حرم عليهم ، وأن يقفوا عند حدوده .

الدين الذي لا يقبل الله من عباده غيره هو الإسلام:

والدين الذي لا يقبل الله من عباده غيره هو الإسلام ، ومعناه الاستسلام لله بتصديق خبره وتنفيذ أمره ، قال تعالى: (إنّ الدّينَ عِندَ اللّهِ الإسْلامُ) ]آل عمران:19 [ ، وقال جل وعلا: (ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ) ] آل عمران: 85[.

تكذيب الخبر كفر ، وردّ الأمر كفر:

ومن رد خبر الله - سبحانه وتعالى - وكذب بشيء من الغيب الذي قصه علينا فقد كفر ، وكذلك من رد أمر الله سبحانه وتعالى وأبى أن يطيعه استكبارًا وعنادًا فقد كفر. والمعصية الأولى التي عصى بها إبليس ربه كانت من النوع الثاني ، أعني أنها رد الأمر ، فإن الله قد أمر بالسجود لآدم ، فقال: (قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا) ]الإسراء:61 [ ، ولم يكن إبليس - لعنه الله - مكذبًا بشيء من أخبار الله ، وإنما انحصرت معصيته في رد الأمر الإلهي كبرًا وعلوًا ، عندما ظن أن هذا الأمر يخالف الحكمة ، إذ زعم أن الفاضل لا يسجد للمفضول ، وقد رأى نفسه - وقد خُلق من النار - أفضل من آدم المخلوق من الطين ، وقياس إبليس قياس فاسد . ولما أصر إبليس على معصيته كان جزاؤه أنْ لعنه الله أبدًا ، وطرده من رحمته سرمدًا . فالمعصية إذا كانت إباءً وردًا للأمر الإلهي ، كانت كفرًا من أجل ذلك . والمعصية الثانية التي عُصي بها الله سبحانه وتعالي وقعت من آدم - عليه السلام - ولما تكُن عنادًا ، وإنما كانت ضعفًا ونسيانًا كما قال تعالى: (ولَقَدْ عَهِدْنَا إلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا) ] طه:115 [ ثم إن آدم لم يصر عليها ولم يحتجّ بها بل سارع إلى الفرار منها والاعتذار عنها قال تعالى: (ونَادَاهُمَا رَبّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشّجَرَةِ وأَقُل لّكُمَا إنّ الشّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوّ مّبِينٌ . قَالا رَبّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وإن لّمْ تَغْفِرْ لَنَا وتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنّ مِنَ الخَاسِرِينَ) ] الأعراف:22-23[ .

فلما اعترف آدم وزوجته بالخطيئة وسارعا إلى التوبة والإنابة ، فإن الله سبحانه قبِل عذره ، وأقال عثرته . والناظر في معصية آدم يجد أن هذه المعصية قد كانت مخالفة للأمر الإلهي فقط ، فإن الأكل من شجرة في الجنة ليس إثمًا في ذاته ، ولا فاحشة في ذاتها ، لولا أنه معصية الله الذي أمره ألا يأكل من هذه الشجرة .

العبودية هي طاعة الأمر:

والعبودية لله إنما هي في طاعة أمره أيًا كان هذا الأمر - في صغير أو كبير - فيما يوافق معقول المأمور ، أو يخالف معقوله . فإن الرب الإله - سبحانه وتعالى - هو أعلم بما يأمر به وينهى عنه ، والعبد لا يكون عبدًا على الحقيقة إلا إذا أطاع معبوده دون تردد أو توقف أو نظر أو سؤال لِمَ أمر بكذا ؟ ولِمَ نهى عن كذا ؟ ولو كان العبد لا يطيع إلا فيما عقَل وفهم لكانت طاعته لمعقوله ومفهومه وليس لخالقه وإلهه ومولاه ؛ فإن الإنسان يطيع عقله ، وقلبه في أشق الأمور على نفسه وبدنه بل قد يركب الصعب والذلول في تنفيذ ما يأمره به سلطان العقل ، أو سلطان القلب والهوى . ولو كانت طاعة الله تابعة لسلطان العقل والقلب والهوى لكان المعبود حقًا هو العقل والقلب والهوى ، وليس الله - سبحانه وتعالى - بل العبودية أن يطيع العبد ربه فيما يخالف سلطان عقله وقلبه وهواه . بل إن الدين قائم على مخالفة ما تهواه النفوس ، وما يخالف رأي الإنسان ومعقوله أحيانًا وهذا هو معنى التعبد لله .

ولا يمنع أن يكون في الدين ما يوافق معقول الإنسان ونظره ، ولكن الله سبحانه وتعالى شاء أن يتعبد عباده بما يحكم به هو سبحانه وتعالى لا بما يرونه بأنفسهم أو يعقلونه بعقولهم ، أو تهواه أنفسهم .

إبراهيم - عليه السلام - المثال والقدوة والأسوة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت