د. المقرئ أبو زيد الإدريسي
لغة الحوار في القرآن الكريم هو جزء من موضوع كامل عن منهج الحوار في القرآن الكريم، وأحتاج هنا أن أفكك عناصر العنوان وأقف عليها عنصرا عنصرا لنخلص بعد ذلك إلى التبرير العلمي والمنهجي لاختيار هذا الموضوع. ولنسأل لماذا الحوار ولماذا القرآن ولماذا اللغة.
إنني اعتبر البشرية كلها تعيش اليوم أزمة حوار حقيقي وأتصور أن كثيرا من المشاكل والصدامات الدامية التي تدفع البشرية ثمنها كان ممكنا أن تتجنب أصلًا أو يخفف أثرها أو تقل سلبياتها لو لجئ إلى الحوار واستنفذت أغراضه ووسائله.
والأمة الإسلامية تعرف عموديًا وأفقيًا أزمة حوار حقيقية، أزمة علاقة بين الحاكم والمحكوم، أزمة علاقة بالمستوى الأفقي بين عناصر المجتمع المدني من مختلف جوانبه وتوجهاته الاجتماعية والسياسية، أزمة علاقة فيما بين الأنظمة على مستوى العالم العربي والإسلامي، أزمة علاقة بين التيار القومي والتيار الإسلامي والتيار العلماني، وهناك أزمة تنزل إلى مستوى الأسرة فيما بين الزوج والزوجة وما بين الزوجين والأولاد لغياب الحوار. فالحوار رئيسي وضروري وممر استراتيجي لحل هذه الأزمة، أزمة الاختلاف والصدام السلبي التي نعيشها اليوم.
أما القرآن فإنه يمثل القاسم المشترك أو الكلمة السواء بين المسلمين، وأول شروط الحوار الناجح أو على الأقل كي لا يرتد إلى انتكاسة أسوأ من الخلاف الأول، أن ينطلق المتحاورون من قاعدة وأرضية مشتركة، والقرآن هو المنطلق الذي يمكن للمسلمين أن يعودوا ويحتكموا إليه.
أما محورية اللغة فلأن النص القرآني أساسًا هو نص لغوي أنتج باللغة العربية وفق قواعدها ومحكوم بضوابطها وينتهي إلى مآلاتها اللغوية، وهذا اختيار الله - عز وجل - وليس هذا تحكم من أحد. فالله - تعالى -اختار أن يتواصل مع البشر بهذه اللغة. وهذه اللغة لا بد أن تتكون وتتشكل في محيط واقعي? وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم? فلا بد إذن أن يكون النبي يتكلم بلسان قومه، فكان القرآن باللسان العربي، وبالتالي خضع القرآن الكريم لآليات هذا اللسان وضوابطه في الاستنباط فكانت هذه الأرضية الصلبة للتأويل.
أرضيتان صلبتان في القرآن. متنه ولغته، وقد أجمع علماء اللغة المسلمون أن القرآن نازل بلغة العرب خاضع لسننها في الأداء، ومن هنا لم يجد السلف حرجًا في أن يخضعوا تأويل القرآن لضوابط اللغة. لأن اعتماد بعض الانتقائيين على معاني القرآن مباشرة دون اعتماد قوانين اللغة يؤدي إلى السقوط في تضارب وتعارض يجتهد الأصوليون والمجتهدون بآليات درء التعارض بين النصوص لحلها.
وسأتناول بالبحث عنصرين من بين سبعة عناصر يمكن أن تعتبر أهم المؤشرات اللغوية الدالة على الحوار ومستوياته ومقاصده وأخلاقه ومنهاجيته في القرآن الكريم. ولنبدأ بالعنصر الأول ولنطرح السؤال التالي: هل القرآن الكريم دعوة إلى الحوار، أم دعوة إلى التبليغ التلقيني المتعالي، أم دعوة إلى الإقصاء الذي هو عكس الحوار؟ كيف نثبت ذلك لغويًا باللغة المحضة، باللغة كمادة موضوعية محكومة بقواعد بعيدا عن التأويليه والانتقائيه؟
يقرر بعض المفكرين أن القرآن الكريم ما ادعى دعوى إلا كان له من نفسه عليها دليلًا. أي أن القرآن مستغنٍ بذاته عن خارجه وأنه لا شيء في القرآن كدعوى أو منهج أو شعار إلا ومادة القرآن تقدم عليه أمثلة وتطبيقات ونماذج. وأنا أستأنس بهذه الإشارة لكي أقول أن القرآن الكريم يدعوا إلى الحوار ومن مستلزمات الحوار الاعتراف بالطرف الآخر وبحقه في الوجود وبحقه في التعبير عن رأيه وبحقه في الاختلاف مع الآخر الذي هو الحق الذي هو القرآن. القرآن الكريم يؤسس لهذا ودليلي من اللغة هو فعل قال أو مادة القول باعتبارها مؤشرًا لغويًا حاسمًا وصارمًا على حوارية أي نص. وفي اعتقادي أن أي نص وتخصصي أصلا في اللسانيات وحيًا أو غير وحي قرآنًا أو شعرًا، أهم مؤشر على وجود روح الحوار فيه هو تصرف مادة القول. أي فعل قال ومشتقاتها.
وبقدر حضور هذه المادة وبقدر توزعها وتنوعها بقدر وجود تصريفاتها بقدر ما يكون حظ هذا النص من الحوارية. فطرحت هذا السؤال على نفسي واستعنت بالمعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم وعكفت على المصحف مدة فانتهيت إلى ما يأتي: