فهرس الكتاب

الصفحة 2620 من 27345

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..

وبعد: فهذه تكملة لبيان حديث وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما .

فقوله"واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رُفعت الأقلام وجفت الصحف"يعدُّ تعبيرًا عن قدر الله جل وعلا , وأن جميع الأشياء النافعة والضارة تجري بقدره تعالى , وأنه لايمكن أن يتم شيء بغير قدره ولو اجتمع أهل الأرض جميعا على ذلك, وذلك يُشعر الإنسان بالطمأنينة إلى واقعه الذي يعيش فيه من غنى أو فقر , وصحة أو مرض ونحو ذلك, فيجب أن يُفهم أثر الناس في حصول الأشياء على أنه سبب لظهور قدر الله سبحانه في عالم الواقع , وبالتالي فإنهم لايُحمدون على خير ولايلامون على شر إلا بمقدار كونهم سببا في ذلك, لا على أنهم هم الموجدون له .

وإذا أيقن العبد أن الله تعالى قد كتب له وعليه وهو في بطن أمه رزقه وأجله وشقي أو سعيد كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما ( [1] ) , ثم علقة مثل ذلك, ثم يكون مضغة مثل ذلك , ثم يبعث الله ملكا فيؤمر بأربع: برزقه وأجله وشقي أو سعيد , ثم ينفخ فيه الروح" ( [2] ) إذا أيقن العبد بذلك فإنه لايطلب الرزق والهداية إلا من الله تعالى , ويعلم أنه لن يتأخر ساعة ولن يتقدم عن أجله الذي قدره الله سبحانه له .

وقوله"جفت الأقلام وطويت الصحف"تعبير بليغ عن انتهاء تقدير الأقدار منذ الأزل وأنها لن تتغير ولن تتبدل .

والإيمان بقدر الله تعالى على هذا النحو يبعث على الشجاعة والإقدام على المخاطر , لأن الذي يدفع إلى التردد والجبن هو الخوف على النفس ورجاء البقاء مدة أطول في هذه الحياة , فإذا علم الإنسان أن أجله محدد فإنه يدرك أن إقدامه على المخاطر لن يقدم من أجله وأن إحجامه عنها لن يؤخر ذلك.

كما أن الإيمان بالقدر يبعث على اليقين وذلك بعدم الحزن على ماوقع من المكروه أو فات من المحبوب , وعدم البطر و الاختيال والفخر بما وقع من المحبوب كما قال الله جل وعلا: (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) [الحديد:22 -23]

فقد أخبر الله سبحانه بأن جميع المصائب التي تقع في الأرض وفي أنفس الناس قد كتبها عنده في كتاب وقدرها قبل أن تقع ليكون يقين الناس بذلك دافعا لهم إلى عدم الحزن على وجود النقم وعدم الفرح بوجود النعم الذي يؤدي إلى الفخر على الناس والخيلاء .

ومما يؤدي إلى عدم الحزن على المصائب شعور المصاب بها بأن عاقبتها خير له في دينه وأخراه بما يثاب عليه من الرضا بقضاء الله تعالى وقدره والصبر على المكروه .

وقوله"تعرَّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة"قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: يعني أن العبد إذا اتقى الله وحفظ حدوده وراعى حقوقه في حال رخائه فقد تعرف بذلك إلى الله وصار بينه وبين ربه معرفة خاصة فعرفه ربه في الشدة ورعى له تعرُّفه إليه في الرخاء فنجاه من الشدائد بهذه المعرفة , وهذه معرفة خاصة تقتضي قرب العبد من ربه ومحبته له وإجابته لدعائه , فمعرفة العبد لربه نوعان: أحدهما المعرفة العامة وهي معرفة الإقرار به والتصديق والإيمان , وهي عامة للمؤمنين , والثاني معرفة خاصة تقتضي ميل القلب إلى الله بالكلية والانقطاع إليه والأنس به والطمأنينة بذكره والحياء منه والهيبة له , وهذه المعرفة الخاصة هي التي يدور حولها العارفون .

قال: ومعرفة الله أيضًا لعبده نوعان: معرفة عامة وهي علمه تعالى بعباده واطلاعه على ما أسرُّوه وما أعلنوه , كما قال: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) (قـ: 16 ) وقال (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) (النجم: 32 )

والثاني معرفة خاصة وهي تقتضى محبته لعبده وتقريبه إليه وإجابة دعائه وإنجاؤه من الشدائد .

قال: وخرَّج الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد فليكثر الدعاء في الرخاء".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت