الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله -محمد وعلى آله وصحبه أجمعين-، وبعد:
فإن الحكم على واقعة ما يتوقف على معرفة جزئياتها ومكوناتها وحيثياتها، وشرح حالاتها، وعرضها على معاني الشريعة وقواعدها، ومبادئها ثمَّ تطبيق القواعد الكلية التي تناسبها، ومن ثمَّ إبداء الحكم عليها ؛ لأن للشريعة حكمًا في كل واقعة تحدث من هذه الوقائع ، فما وافقها ولم يخالفها كان مقبولًا سائغًا، أما إذا خالفها فمردود، ولا يقال إن في هذا حرج وضيق ؛ لأن الله تعالى يقول: ? وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ? [الحج: 11] ، ولا بد على العالم أن يبن حكم الشرع في أي مسألة حادثة ويتحرى حكم الشارع فيها ولا يكون همه إيجاد مخارج ، إلا أن يصل الأمر إلى حد يعتبره الشرع ضرورة.
ومن القضايا الهامة التي فشت وانتشرت في بلاد المسلمين قضية اللحوم المستوردة من خارج بلاد المسلمين، فقد أصبح المسلمون اليوم، يستوردون من بلاد الكفرة كميات كبيرة من هذه اللحوم ـ معلبة كانت أو غير معلبة ـ الذي يتوقف حِلُّها على توفر الصفة المشروعة في ذبحها، كلحوم الأبقار والأغنام والدجاج، وقد وقع المسلمون ـ لا سيما المحتاطون لدينهم ـ في تردد وحيرة من أمر هذه اللحوم، هل توفرت فيها شروط وضوابط التذكية الشرعية أم لا؟!
وحُق لهم أن يقعوا في هذه الحيرة وهذا التردد في قضية كهذه لا شك أن لها أهميتها في حياة المسلمين، لكونها تتعلق بالغذاء، لذا فقد كثر انتشارها في المدن والقرى وعمت بها البلوى، فلا يكاد يخلو منها بيت من بيوت المسلمين، ولهذا نجد الإسلام قد أولى هذه القضية اهتمامًا كبيرًا، فوضع حدودًا وضوابط للأطعمة، فبين ما يحل منها وما ُيحرَم، بل وحذر المسلمين من تناول هذه المحرمات، لما لها من آثار سيئة ومخاطر بالغة على صحة وسلامة الإنسان .
هذه اللحوم الوافدة على بلادنا الإسلامية من هنا وهناك، أهي حلال أم حرام؟
هذا السؤال الذي تردد في أذهان كثير من المسلمين وجرى على ألسنتهم، الأمر الذي جعلهم يستفتون العلماء بكثرة عن هذه القضية، وقد اختلفت وتباينت أقوال المجيبين على هذا السؤال مما زاد في حيرة السائلين، بل لربما زاد القضية غموضًا وتعقيدًا وسنتحدث ـ بعون الله وتوفيقه ومدده ـ في هذا البحث عن هذه القضية من خلال عدة محاور:
المحور الأول: تعريف الذكاة ، وبيان حكمها.
المحور الثاني: ضوابط وشروط الذبح الشرعي.
المحور الثالث: ضوابط من تحل لنا ذبيحته من غير المسلمين.
المحور الرابع: الضوابط الشرعية في حل ذبائح أهل الكتاب.
المحور الخامس: تطبيق ضوابط الذبح الشرعي على واقع اللحوم المستوردة.
المحور السادس: الحكم الشرعي في اللحوم المستوردة.
الخاتمة والتوصيات:
المحور الأول
تعريف الذكاة وحكمها
لمَّا كان من شرط حِل الحيوان البري أن يكون مذكى ذكاة شرعية- وإن لم تجر عليه تلك الذكاة يكون ميتة محرمة أكلها -كان ما يتعلق بمسألة الذكاة، ومعرفة ما يلزم لها من الأهمية بمكان.
الذكاة في اللغة:
يقول ابن منظور: التذكية الذبح والنحر، يقال ذكية الشاة تذكية ، وذكاء الحيوان ذبحه وأصل الذكاة في اللغة: إتمام الشيء (1) ، ويقول الدكتور وهبة الزحيلي التذكية لغة: القطع أو الشق وإزهاق الحيوان (2) ، إذًا الذكاة في اللغة تمام الشيء لأن ذبح الحيوان معناه إتمام زهوقه.
الذكاة في الاصطلاح:
عرفها الفقهاء بعدة تعاريف اختار منها هذا التعريف: بأنها ذبح الحيوان البري بقطع حلقومه ومريئه أو عقر الممتنع منه (3) .
حكمها:
الذكاة لازمة ولا يحل شيء من الحيوان البري المأكول المقدور عليه بغير ذكاة ؛ لأن غير المذكى يكون ميتة، وقد وقع الإجماع على حرمة أكل الميتة إلا للمضطر ويستثنى من الميتة ميتة السمك والجراد لحديث ابن عمر مرفوعًا"أحل لنا ميتتان ودمان، أما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال" (4) .
المحور الثاني
في بيان ضوابط الذبح الشرعي وشروطه والحكمة منه
عن شداد بن أوس - رضي الله عنه -قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-:"إن الله تعالى كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته" (5) ، ولما كان لهذا الحديث الشريف من علاقة وطيدة فيما نتحدث عنه في هذا المحور حَسُن بنا أن نتصدر به موضوعنا.
ضوابط وشروط الذبح الشرعي:
اعلم أن الذكاة المشروعة لها شروط يجب تحقيقها عند ذبح الحيوان، وهي:
1-النية، والقصد عند الذبح.