عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب) متفق عليه؛ أي ما يتفكر فيها أهي خير أم لا؟!.
الكلمة أمانة ربانية، ومسؤولية اجتماعية؛ يحاسب عليها العبد، وتسطر في سجل حياته؛ لتكون له سمة بعد مماته؛ يحمد عليها إن كانت حسنة، وتظل خالدة في ذاكرة التاريخ؛ يدعو له الناس بالخير ما تذكروها؛ باعتبارها صدقة جارية.. وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم القائل: (الكلمة الطيبة صدقة) .
وعلى ذات النسق تكون الكلمة غير الحسنة وصمة للإنسان في حياته، ووبالا عليه، وربما تجلب له متاعب الدهر، ولعنة الألسن من قبل المجتمع كلما تذكروا أثرها السيئ في وجدانهم.
ولذا حرص الإسلام في بناء القيم والسلوك أن يكون القول بين الناس حسنا، والتخاطب بينهم بالكلمة الطيبة؛ حتى تجني الأمة ثمار ذلك محبة، وترابطا وإخاءا.. فالمؤمن كما في الحديث: (ليس بالطعان، ولا اللعان، ولا الفاحش، ولا البذيئ) .
كل ذلك ليس من صفات وقيم المجتمع الإسلامي، والهدي النبوي؛ فالمؤمن حقاً يعلم أمانة الكلمة، ويقدر مسؤوليتها أمام ربه في حياته وبعد مماته.
فالكلمة سلاح ذو حدين؛ فرب كلمة يلقيها الإنسان فترسم البسمة على الوجوه، وتغرس الفرحة والسعادة في القلوب، وتصون المجتمع من الانزلاق في بؤر الخلافات والتناحر؛ فتحقن دماء الأمة، وتصون كرامتها؛ وبذلك تسمو بصاحبها إلى أسمى المقامات في الدنيا والآخرة.
ورب كلمة يطلقها الإنسان فتوقظ الفتنة والبغضاء في النفوس، وترسم البؤس في الوجوه؛ فتشعل نار الفرقة والشتات بين الناس؛ وبذلك تكون وبالا، وخزيا، وندامة لصاحبها؛ فيهوي بها في دار الخسران والهلاك.
وصدق مربي البشرية وهاديها إلى الصراط المستقيم (محمد بن عبد الله) صلى الله عليه وسلم إذ يقول: (إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما يلقي لها بالا يرفعه الله بها درجات!!.. وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى ما يلقي لها بالا يهوي بها في جهنم) .. أو كما قال عليه الصلاة والسلام.
وما أكثر الكلمات التي يطلقها الناس في زماننا هذا ولا يلقون لها بالا، ولا يحاسبون أنفسهم عند قولها أهي خير أم لا؟!، وما هي عاقبتها؟!.
فالكلمة كالسهم؛ إذا انطلق فلن يعود؛ فعلى باريها أن يحدد المقصود والهدف بدقة؛ فمن الحكمة أن يراجع الإنسان نفسه عند كل كلمة قبل أن يقولها، وأن يختار الأسلوب الأمثل، والزمان المناسب لها؛ فلكل مقام مقال!!..
وهكذا نجد من هدي سيد الحكماء، وطبيب القلوب صلى الله عليه وسلم أن وضع لنا تلك المعاني والقيم في أبهى صورها، وأجل مراقيها في منهج تربوي؛ ويعود بالأعرابي إلى أن يقول حسنا؛ لكي ينزع الغضب من قلوب أصحابه تجاهه.
جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم أعرابي يوما؛ يطلب منه شيئا؛ فأعطاه.. ثم قال له: (أحسنت إليك؟) قال: (لا، ولا أجملت) !!.. فغضب المسلمون؛ وقاموا إليه؛ فأشار إليهم النبي صلى الله عليه وسلم أن كفوا، ثم دخل منزله؛ فأرسل إلى الأعرابي، وزاده شيئا؛ ثم قال: (أحسنت إليك؟) قال: (نعم؛ فجزاك الله من أهل، ومن عشيرة خيرا) !!.. فقال عليه الصلاة والسلام: (إنك قلت ما قلت وفي نفس أصحابي من ذلك؛ فإذا جئت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي؛ حتى يذهب من صدورهم ما فيها عليك) !!.. قال: (نعم) .. فلما كان للغداة جاء؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الأعرابي قال ما قال؛ فزدناه؛ فزعم أنه رضي؛ أكذلك؟) فقال الأعرابي: (نعم؛ فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا) .
الله!!.. فما أعظم تلك المعاني التربوية، والحكمة المحمدية التي حقنت دماء الأعرابي من كلمة قالها وهو لا يضع لها بالا!، وما أكرم خلق نبي الهدى الذي ساق الأعرابي نفسه إلى أن يقول حسنا؛ ليشفي غضب المسلمين مما قاله لنبيهم صلى الله عليه وسلم!.
صلى الله عليك يا رسول الله وسلم، يا أعظم مصلح للبشرية، وهاديها إلى معاني البر والإحسان.
لو أن إنساناً تخير ملة *** ما اختار إلا دينك الفقراء
المصلحون أصابع جمعت يدا *** هي أنت بل أنت اليد البيضاء
نعم إنه خلق النبي الذي أدَّبه ربُّه فأحسن تأديبه؛ قائلا له: (ولو كن فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين) .
وهكذا نجد المنهج الرباني - الذي جاء به الأنبياء والمرسلون جميعا - يدعو إلى اتباع منهج المعروف في القول، والتخاطب بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن..
حتى مع أولئك الذين تجبروا وتكبروا على الله، وعاثوا في الأرض فسادا؛ قال تعالى لموسى وهو يُعِدُّه للتخاطب مع الطاغية فرعون لعنه الله تعالى: (اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى) .