فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي
وأحب أن أركز هنا على عدة نقاط في أدب الدعوة والحوار، لما لها من أهمية خاصة:
أولا: يجب مراعاة حق الأبوة والأمومة والرحم، فلا يجوز مواجهة الآباء والأمهات بخشونة، ولا الإخوة ولا الأخوات بغلظة، بدعوى أنهم عصاة أو مبتدعون أو منحرفون، فإن هذا لا يسقط حقهم في لين القول، وخاصة الأبوين.
وحسبنا أن الله قال في حقهما: (( وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به عِلْمٌ فلا تُطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفًا ) ) (لقمان: 15 ) .
وليس هناك ذنب أعظم من الشرك، إلا المجاهدة لتحويل المؤمن إلى مشرك، ورغم صدور هذا من الوالدين، نهى الله عن طاعتهما فيه، وأمر بمصاحبتهما بالمعروف.
ومن قرأ حوار إبراهيم عليه السلام لأبيه في القرآن ـ في سورة مريم ـ رأى كيف يكون أدب الأبناء في دعوة الآباء، ولو كانوا مشركين.
فكيف إذا كان الأبوان مسلمين، وإن عصيا وخالفا، فإن لهما، مع حق الوالدية، حق الإسلام؟
ثانيا: مراعاة حق السن، فلا ينبغي إسقاط هذا الفارق، ومخاطبة الكبير مخاطبة الصغير، ومعاملة الشيوخ كما يعامل الشباب، بزعم أن الإسلام يسوي بين الناس جميعا، فهذا فهم مغلوط للمساواة التي يراد بها: المساواة في الكرامة الإنسانية، والحقوق العامة. وهذا لا ينافي أن هناك حقوقًا خاصة يجب أن ترعى، مثل حقوق: القرابة والزوجية والجوار وولاية الأمر وغيرها.
ومن أدب الإسلام هنا: أن يحترم الصغير الكبير،كما يجب أن يرحم الكبير الصغير، وفي الحديث النبوي:"ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويوقر كبيرنا، ويعرف لعالمنا"أي يعرف له حقه. وأي شيء أشد من هذه البراءة"ليس منا"مهما تأولها من تأول؟ (رواه أحمد عن عبادة بن الصامت بإسناد حسن بلفظ: ليس من أمتي. والطبراني والحاكم ) .
وفي الحديث الآخر:"إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم …." (رواه أبو داود عن أبي موسى بإسناد حسن، كما في التيسير للمناوي: 1/347 ) .
ثالثا: مراعاة حق السابقة، فمن كان له فضل سبق في الدعوة إلى الله، وتعليم الناس الخير، أو كان له بلاء حسن في نصرة دين الله تعالى، فلا ينبغي جحود فضله، وإهالة التراب على سابقته، أو الطعن فيه، لفتوره بعد نشاط، أو ظهور ضعف منه بعد قوة، أو تفريط بعد استقامه، فإن رصيده من الخير وسابقته في الجهاد تشفع له.
ولا أقول هذا من عند نفسي، بل هو ما قرره النبي صلى الله عليه وسلم في شأن حاطب بن أبي بلتعة، حين زلت قدمه إلى ما يشبه الخيانة، حيث كتب إلى مشركي قريش في مكة، يخبرهم بما أعده النبي صلى الله عليه وسلم من عدد وعدة لفتح بلدهم، هذا مع شدة حرصه عليه الصلاة والسلام على سرية التحرك.. وهذا ما جعل عمر بن الخطاب يقول: دعني يا رسول الله أضرب عنقه فقد نافق: فكان الجواب النبوي الكريم"ما يدريكم: لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم".
إن سابقة الرجل وجهاده يوم بدر- يوم الفرقان - جعلت النبي الكريم صلى الله عليه وسلم يقبل منه اعتذاره، ويقول لأصحابه عن أهل بدر عامة ما قال.
عايشوا جماهير الناس
وأنصح الشباب -خامسًا - أن ينزلوا من سماء الأحلام والمثالية المجنحة إلى أرض الواقع، ليعايشوا الناس، الجماهير من المواطنين والحرفيين والفلاحين والعمال وغيرهم من الجاهدين والمجاهدين، في الأحشاء الدقاق من المدن الكبيرة، إلى الحارات والأزقة، في القرى الكادحة، وسيجدون هناك الفطرة السليمة، والقلوب الطيبة، والأجسام المكدودة من العمل.
أوصي الشباب أن ينزلوا إلى هؤلاء في مواقعهم، ليسهموا في تعليم الأميين حتى يقرأوا، وفي علاج المرضى حتى يصحوا، وفي تقوية المتعثرين حتى ينهضوا، وفي مساعدة المتبطلين حتى يعملوا، وفي معاونة المحتاجين حتى يكتفوا، وفي توعية المتخلفين حتى يتطوروا، وفي تذكير العصاة حتى يتوبوا، والأخذ بيد المنحرفين حتى يستقيموا، وكشف المنافقين حتى يختبئوا، ومطاردة المرتشين حتى يرتدعوا، وإنصاف المظلومين حتى ينتعشوا.
على الشباب أن ينشئوا لجانًا لمحو الأمية، وجمع الزكاة وتوزيعها، ولإصلاح ذات البين، ولمحاربة الأمراض المتوطنة، ولمعالجة الإدمان على التدخين أو المسكرات أو المخدرات، ولمقاومة العادات الضارة، ونشر العادات الصالحة بديلًا عنها.
وما أكثر الميادين التي تحتاج إلى جهود الشباب، وعزائم الشباب، وحماس الشباب!
يا شباب الإسلام، لا تتقوقعوا على أنفسكم، تاركين الشعب وهم آباؤكم وأمهاتكم وإخوانكم وأرحامكم. انزلوا إلى الشعب واختلطوا به، وعيشوا في همومه، وشاركوه متاعبه، اربتوا على أكتاف المهمومين، امسحوا دموع اليتامى، ابتسموا في وجوه البائسين، خففوا الحمل عن كواهل المتعبين، أغيثوا الملهوفين، اجبروا كسر المكسورين، داووا جراح القلوب الحزينة، بموقف عملي، أو بكلمة طيبة، أو ببسمة صادقة.