طه أحمد المراكشي 22/5/1427
فضل المشارقة على غيرهم في العلم ظاهر, وقد حازوا قصب السّبق في فنون العلم وألوان المعارف, واشتهروا بالتأليف والتصنيف, وأرضهم زاخرة بالأعلام، فائضة بأيمة الدنيا على مدى الأيام, وهذا لا يرتاب فيه أحد, ولا أخذ فيه ولا رد.
وقد كان المغاربة منذ صدر الأمة الأول يقصدونها للأخذ عن علمائها، والسماع منهم ضروب العلوم الشرعية والعقلية, والآداب على اختلاف أنواعها, وجلب الكتب النافعة والتواليف الصالحة, في التفسير والحديث, والفقه والنحو والبيان، والفلسفة, صابرين على وَعْثاء السفر, وذلّ الغربة، وجولان الأرض, بل إنني أزعم -وأنا مغربي- أنه لولا المشرق لما ذهب المغرب ولا جاء, وربما نبغ في المغرب من بلغ في العلم شأْوا بعيدًا لا يلحق, لكنه لا يشتهر ويلمع نجمه ويذيع صيته إلا إذا كانت له رحلة إلى الديار المشرقيّة.
وفي هذا المعنى يقول العلامة الأوحد السميذعي, أبو محمد بن حزم الظاهري:
أنا الشمسُ في جوّ العلوم منيرةٌ لكن عيْبي أن مطلعيَ الغربُ
ولو أنّني من جانب الشرق طالعٌ لجدّ على ما ضاع من ذكريَ النهبُ
وربما لم يكن ليذيع صيت أمثال بدر الدين الحسني, والطاهر الجزائري, وأحمد عليش-شيخ المالكية بالديار المصرية، وهو مغربي الأصل-والشنقيطي, وغيرهم من المتأخرين, لولا استيطانهم المشرق.
والحق أن المشرق قُبّة الإسلام و مطلع أنواره الزاهرة, قد اختصه الله بهذه الخصيصة, وجعله كعبة العلماء المقصودة, وزاده فضلًا فجعل قلوب الناس تهوي إليه, (ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) ، ولهذا وذاك وغيرها من الأسباب كالبعد المكاني والموقع الجغرافي, بقي كثير من المشارقة بمعزل عن الحركة العلمية الحادثة في الديار المغربية, وأخبار أعيان علمائها, وخاصة فضلائها, ممن لا يقل علمًا وديانة وصلاحًا وصيانة, عن أماثلهم في المشرق, فالمغرب كُنيف مُلئ علمًا, بقل فيه أساتذة أهل الأرض, قَمِنٌ بالمشارقة أن ينظروا في الورث العلمي الذي خلّفه المغاربة, والاجتهاد في طلبه وتحصيله, وإحياء ذكره في أمصارهم, وجامعاتهم، وفي ذلك أعظم فائدة, وأحسن عائدة للترقي والصعود في مدارج الإصلاح المنشود, والجهود المبذولة إلى الآن غير كافية, والنتائج غير خافية.
وقد كان للمغاربة مذاهبهم المشهورة، ومسالكهم المذكورة, في العلوم الشرعية والمعارف الدنيوية, فلم يكونوا مقلّدين للمشرق في كل أحوالهم, وسائر شؤونهم, مع الاعتراف بالفضل لأهله, ولكن كانوا متميزين بخصائصهم, منفردين بأساليبهم, فكان لهم مسلك معروف في النحو, واختيارات في الفقه, وترجيحات في الحديث, ومذهبهم في تفضيل صحيح مسلم على البخاري مشهور.
ولئن كان لهذا الانعزال أسبابه الوجيهة, وعلله المقبولة الرجيحة, في ما مضى من الزمان, من تباعد الأوطان, وافتراق الأجسام, فإن الله فتح على أهل هذا الآوان ما لم يكن من قبل فِعله بالإمكان, وأهمها ما اصطُلح عليه بثورة الاتصالات, وأنواع الاختراعات, جعلت الدنيا والمستخلفين فيها, في تواصل دايم, وتعارف ناهض, وصار الذي في أقصى الشرق يعلم أدقّ أحوال الذي في أقصى الغرب وأخفاها.
فأجدِرْ بالمشارقة وأليِقْ بالمغاربة,أن يقرّبوا الشُقّة، ويرتُقوا الفتْق الحاصل, ويدفعوا بُعد الديار, باغتنام هذه النعم التقنية والعطايا الإلكترونية. ولعمري إن هذا من مقاصد الشريعة وغاياتها العليا, وترغّب فيه نصوص الشرع الكلية, وتدعو إليه, وهو مسلك محمود العواقب, خالٍ من المثالب, في التأليف والاجتماع.
هذا وإن كان المغاربة يعرفون عن المشارقة وأعلامهم وأخبارهم وأحوالهم, أكثر مما يعرفه هؤلاء عن أولئك, في الجملة-وقد تقدمت بعض أسباب ذلك-فلا بد أن تتساوى الكفتان, ويتعادل النصيبان, وتسرب مياه الفريقين في المشرقين, وتمتزج أفكار أهل العدوتين.
فإن قال قائل: كل قد اكتفى بذاته, واستغنى بأدواته.
قيل له:
في الاتحاد قوة, وفي الفرقة عذاب, الواحد إلى الواحد أقوى من الواحد منفردًا. ولاتزال الشريعة تأمر بالتقارب والتعارف بين الشعوب المختلفة في العقائد, فما بالك بأهل الملة الواحدة, والديانة الجامعة؟! والحال الذي يعيشه أهل الاسلام اليوم لهو أشد باعث يحرك الهمم إلى التقارب والتآلف, لدفع الصائل, وجلب المصالح.