5 -الحمد لله ووسطية سورة الكهف:
لقد رأينا أنه بعد ?بِسْمِ اللَّهِ? وبين ?الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ? الأولى و?الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ? الثانية، جاءت في فاتحة الكتاب آية ?الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ?، أي أن هذه العبارة جاءت في الوسط بين عبارتي ?الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ?. ورأينا أيضًا أنه من بين السور التي ابتدئت بثناء الله تعالى على نفسه وذاته الكريمة بـ?الحمدُ لله?، فقد وقعت سورة الكهف في الوسط تمامًا، وذكرنا أيضًا أن سورة الكهف توسّطت سورتي التوبة والنمل. فهل نجد لهذه الوسطيّة دلالة معيّنة تخصّ سورة الكهف نفسها؟
ذكرنا أن السور الـ (5) التي ابتدئت بعبارة ?الحمدُ لله?، هي: الفاتحة (1) ، والأنعام (6) ، والكهف (18) ، وسبأ (34) ، وفاطر (35) . وأول ما يلفت انتباهنا في ترتيب هذه السور، أن سورة الكهف قد توسّطت هذه السور الـ (5) ، وذلك ليس بوسطيّة نسبية، وإنما بوسطيّة مطلقة متعمّدة ومقصودة، نجدها متحقّقة في أبعاد هذه السور الخمس عن بعضها البعض. فسورة الكهف تبعُد عن سورة الفاتحة بمقدار (18) سورة، وكذلك تبعُد سورة فاطر عن سورة الكهف بمقدار (18) سورة:
(الفاتحة) (الكهف)
(الكهف) (فاطر)
لتبقى سورة الكهف محافظة على وسطيّتها ضمن هذه السور. وعند التدبّر في هذه السورة الكريمة، نجد أنها حوت إشارات عديدة ومقصودة على وسطيّتها، يصحبها تناسق بديع في مواقع كلماتها، وإحكامًا عجيبًا في ترتيب آياتها، ودلائل يقينية على قدرة الله المطلقة سبحانه. ولا يمكننا في هذا البحث المصغّر أن نتطرّق إلى جميع هذه الأمور، لأن كل مجلّدات الكون لا تكفي لهذا. ولكننا سنعالج بعض الأمور التي منّ الله علينا بالكشف عنها بعونه وبفضله.
فأول العجب الذي يواجهنا هنا هو أن قصة"أصحاب الكهف"بدأت بآية رقمها (9) ، وانتهت بآية رقمها (26) ، وأن عدد الآيات التي روت لنا قصتهم يساوي (18) آية بالضبط، والذي يساوي رقم ترتيب السورة في القرآن! فانظر إلى هذا التناسق العجيب! ثم قارن هذه المعطيات بما تمّ الحصول عليه من نتائج مذهلة في البنود السابقة، وخاصّة فيما يتعلّق بالأعداد (9، 18، 26) ! وقبل أن نبدأ بالبحث عن دلالة هذه الأعداد في السورة، علينا أن نكشف أولاً عن الحكمة من الوسطيّة المطلقة التي تحلّت بها السورة دون غيرها من السور، والتي نجد لها إشارة في ثلاث أحاديث عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، والمتعلّقة بفضلها.
فقد أخرج الإمام أحمد ومسلم وأصحاب السنن (1) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من حفظ الآيات العشر الأوائل من سورة الكهف عُصم من فتنة الدجال". وروى الإمام أحمد ومسلم والنسائي وغيرهم رضي الله عنهم أنه عليه أفضل الصلاة والسلام قال أيضًا:"من قرأ الآيات العشر الأواخر من سورة الكهف عُصم من فتنة الدجال".
وروى الإمام الحاكم وصحّحه في مستدركه على الصحيحين والإمام البيهقي في السنن، عن أبي سعيد رضي الله عنهم جميعًا، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين". فما هو السرّ الكامن إذن في سورة الكهف، والذي لأجله عيّنها الرسول صلى الله عليه وسلم برأسها وبذيلها وبذاتها من بين كل سور القرآن الكريم؟ ولماذا خصّها صلى الله عليه وسلم كمنجىً ومُعْتَصَمٍ من فتنة الدجال؟
نقول، والله تعالى أعلم، إن سورة الكهف قد تفرّدت بقصص عجيبة لم تتكرّر في أي موضع آخر من سور القرآن الكريم، وهي: قصّة أصحاب الكهف، وقصّة نبي الله موسى مع الخضر عليهما السلام، وقصّة الملك فاتح الآفاق ذي القرنين. فهي قصص يتيمة وردت لمرة واحدة في كل القرآن. وليس بسط هذه القصص من مقصودنا في هذا البحث، ولكنّا نريد أن نكشف بعون الله تعالى عن شيء من هذا السرّ، الذي لأجله خصّ الرسول صلى الله عليه وسلم هذه السورة دون غيرها من السور بهذه الميزات، والتي نراها مرتبطة بموقع السورة من جهة، وبالتحام آياتها وكلماتها من جهة أخرى.
فمن تأمّل هذه السورة وقرأها بعين اليقين، وجد أن سياقها واحد، وأن موضوعاتها على ما يبدو من اختلاف ظاهر بينها إنما تدور على محور واحد، هو محور الإعتقاد والعقيدة، وتصحيح القيم والمعايير والموازين وفق قيم هذه العقيدة. ثم إن القصص الواردة فيها تحدّثت عن كثير من العطايا الربانية التي يؤتيها الله من يشاء من عباده، نذكر منها: عطاء الإيمان متمثّلاً في قصة فتية الكهف الذين تحدّوا الجاهلية جمعاء، وخرجوا عليها غير آسفين على ما يفوتون ولا آبهين بما يلاقون، ثم آووا إلى الكهف، ?فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً? (2) .