الخلوة خطر يجب اتقاؤه 24/9/1425
أ.د. ناصر بن سليمان العمر
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
في سياق وقفاتنا مع سورة يوسف _عليه السلام_ نقف مع كيد النساء -إن أغواهن الشيطان- وكيف يجب أن نتعامل معه، لنصون المرأة ونحفظ المجتمع، فالعزيز لما لم يحسن التعامل مع المنكر الذي اقترفته امرأته عمدت إلى تكراره على نحو آخر.
يقص القرآن الكريم علينا خبر افترائها على يوسف _عليه السلام_ بعد أرادت أن تغويه وكتب الله له العصمة؛ لأنه من المخلصين، حاولت أن تخلع عليه ثوب التهمة وتظهر بمظهر البريء المعتدى عليه، يقول _تعالى_:"وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ" (يوسف:25) . انظروا إلى هذا الكيد العظيم، حيث بهتته بالدعوى مفاجأة مع أنها هي التي راودته، وهي التي قالت: هيت لك، وهي التي لحقته، وهي التي قدت قميصه من دبر، ومع ذلك في لحظات سريعة وتصرف سريع وبديهة سريعة تفاجئه بهذا البهتان"مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ"فما كان من يوسف _عليه السلام_ إلا أن رد بقوله:"هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي" (يوسف: من الآية26) ، لكنه في الحقيقة كان أمام مشكلة؛ لأن المرأة هنا هي التي تصدق، والرجل في موقع التهمة، فكان في حرج شديد، ومع أنه رد الدعوى، ومع صدق يوسف، لكن يحتاج الأمر إلى دليل حاسم فينقذه الله _جل وعلا_ ، ويأتي الشاهد فيقول:"وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا" (يوسف: من الآية26) . ذكر المفسرون أقوالًا في هذا الشاهد، قيل: إنه صغير، وقيل: إنه في المهد، وقيل: رضيع، ولكن يبدو أنه ليس كذلك؛ لأن الذين قالوا: إنه في المهد بناء على أنه رأى، بينما شهادة الشاهد تدل على أنه لم ير القضية، وإنما ذكر دليلًا عقليًا يبين مَن المتهم ومَن البريء، ثم ثبت عن النبي _صلى الله عليه وسلم_ كما في صحيح مسلم أنه قال:"لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة"ولم يذكره منهم، فيدل على أن هذا الشاهد كان رجلًا كبيرًا يؤخذ بقوله، وهو القول الأقوى، وبخاصة _كما قلت_ مع عدم الدليل على القول الآخر، ويبدو أن الشاهد كان مصاحبًا لزوجها، أو جاء بعد ذلك ورأى المشكلة.
"وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا" (يوسف: من الآية26) ، كان هذا من أعظم الفرج؛ لأننا إذا تصورنا المحنة التي كان فيها يوسف في هذه اللحظة وسرعة البهتان، ما جزاء من أراد بأهلك سوءًا إلا أن يسجن أو عذاب أليم؟ فجاء هذا الشاهد وأنقذ الله _جل وعلا_ يوسف من هذا البلاء. أولًا: عندما وجدا زوجها عند الباب. وثانيًا: هذه الشهادة التي أنقذته من هذه المحنة العظيمة.
ومن الفوائد هنا أهمية الأخذ بالقرائن، وهذا فصل فيه الفقهاء، متى تعد القرينة مؤثرة ومتى لا تعد، وليس هذا مكان البيان هنا؛ لأننا نعيش في هذه الأجواء القرآنية، ولكنها إشارات تمر علينا أحيانًا ومن أراد المزيد فعليه أن يرجع إلى كتب التفسير، وبخاصة كتب أحكام القرآن، فقد فصلوا في هذه المسألة، كيف حكم هذا الشاهد؟ أولًا نجد أنه قال:"وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا". أي: أنه بعيد عن التهمة في أن يكون في صف يوسف، ففي هذه الحالة إذا شهد ليوسف من خلال القرينة التي ذكرها والدليل الذي ذكره، فشهادته صادقة، وحجته قوية دامغة. كيف فعل هذا الشاهد؟ ماذا قال هذا الشاهد؟ قال: إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين، وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين، نلحظ هنا أنه بدأ بالشهادة لصالح المرأة من أجل أن يبعد أي تهمة عليه، وهذا يؤكد أنه لم يكن حاضرًا للواقعة، أي: لم يكن صغيرًا، وبخاصة أن في القصة، أنها أغلقت الأبواب، فليس هناك أحد، فقال: إن كان قميصه قد من قبل فصدقت؛ لأنه إن كان هو الذي لحقها فالطبيعي أن يقد قميصه من قبل، أما إن كانت هي التي لحقته وهو الذي هرب منها، فيكون قطع القميص أو شق القميص من دبر، فماذا رأى العزيز رأى قميصه قد من دبر، فعلم في هذه الحالة أن المرأة قد كذبت وأن يوسف _عليه السلام_ قد صدق،"فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ" (يوسف:28) . إي والله إن كيدهن عظيم.