الحلال بَيِّنٌ والحرامُ بَيِّنٌ د. محمد عمر دولة*
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، وعلى آله وصحبِه أجمعين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد، فقد وَرَدَت أحاديثُ عِدةٌ من هديِ النبي صلى الله عليه وسلم في الأمرِ بِتَركِ الشُّبهاتِ والتزامِ الوَرعِ والاستبراءِ لِلدِّينِ، وهي تَشتَملُ على فُنونٍ من العِلمِ الصافي الذي لم يُكَدَّرْ والمعرفة الأصيلة التي حَفِظها الله لهذه الأمةِ وللإنسانيةِ؛ فلم تُبدَّلْ ولم تُغَيَّرْ.
ومِن أعظمِ هذه الأحاديثِ وأنفَعِها لأهلِ زمانِنا ـ وكلُّ حديثِه صلى الله عليه وسلم نافِعٌ مُبارَكٌ ـ: حديثُ (الحلالُ بيِّنٌ والحرامُ بَيِّنٌ) ، وقد اعتنَى به العلماءُ، وعَدَّه بعضُهم مُتضَمِّنًا ثُلثَ العِلم. قال ابنُ رجب رحمه الله:"عن الإمام أحمد رضي الله عنه قال: أصُولُ الإسلامِ على ثلاثة أحاديث: حديث عمر: (إنَّما الأعمالُ بالنيات) ، وحديث عائشة: (مَن أحْدثَ في أمرِنا هذا ما ليس منه؛ فهو رَدٌّ) ، وحديث النعمان بن بشير: (الحلالُ بَيِّنٌ والحرام بَيِّنٌ) ". [1] وقال ابنُ حجر رحمه الله في كلامِه عن حديثِ (الأعمال بالنيات) :"كلامُ الإمام أحمد يَدلُّ على أنه أرادَ بِكَوْنِه ثُلثَ العِلمِ أنه أحدُ القواعدِ الثلاث التي تُرَدُّ إليها الأحكامُ عِندَه، وهي: هذا الحديث، و (مَن عَمِلَ عَملًا ليس عليه أمْرُنا فهو رَدٌّ) ، و (الحلالُ بيِّنٌ، والحرامُ بَيِّنٌ) ". [2]
وكذلك عدَّ ابنُ راهويه هذا الحديثَ من (أصُولِ الدين) ، واعتبرَه أبو داود (رُبعَ العِلم) وأحدَ الأحاديث التي (تكفي المرء لدينِه) . [3] ولا يخفى أنَّ هذه الأحاديثَ تدورُ على شَرْطَي قَبولِ الأعمال، وهما: الإخلاصُ والمتابَعة. بالإضافة إلى الوَرَعِ وهو مَنهجُ الاستقامة الذي يحمي الإنسانَ من الوُقوعِ في مَعاصِي الله عزَّ وجلَّ.
فقد روى البخاري في كتاب (الإيمان) باب (فضل مَن استبرأ لدينِه) والدارمي في (البيوع) [4] باب (الحلال بَيِّنٌ والحرام بَيِّنٌ) عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما [5] قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الحلالُ بَيِّنٌ، والحرامُ بَيِّنٌ، وبينهما مُشَبَّهاتٌ لا يعلمها كثيرٌ من الناس؛ فمن اتقى الشبهات؛ [6] استبرأ لِدِينِه وعِرْضِه، ومَن وَقعَ في الشُّبهات كراعٍ يرعَى حولَ الحمَى يُوشِكُ أن يُواقِعَه؛ ألا وإنَّ لكلِّ مَلكٍ حمى؛ ألا إنَّ حِمَى الله في أرضِه مَحارِمُه؛ ألا وإنَّ في الجسدِ مُضغةً إذا صلحَت صلحَ الجسدُ كلُّه، وإذا فسدَت فسدَ الجسدُ كلُّه؛ ألا وهي القَلب". [7] "
ورواه البخاري كذلك في (البيوع) باب (الحلال بَيِّنٌ، والحرام بَيِّنٌ، وبينهما مشبهات) بلفظ: (الحلال بَيِّنٌ، والحرام بَيِّنٌ، وبينَهما أمورٌ مُشتبهة، فمَن ترك ما شُبِّهَ عليه من الإثم؛ كان لما استَبانَ أترك، ومَن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم؛ أوَشَك أن يُواقِعَ ما استَبان، والمعاصي حمى الله من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه) . [8]
فهذا الحديثُ قاعدةٌ مُهِمةٌ من القواعِِدِ الإيمانيةِ والتربوية والأخلاقية والسلوكية؛ فإنَّ المؤمنَ لا يجترىء على ما يشك فيه من الإثم! بل يُوقفه إيمانُه ويحول بينَه وبين الحرامِ؛ وتلك ثمرةُ التقوى والوَرع؛ ولذلك أخرجَه البخاري رحمه الله في كتاب (الإيمان) باب (فضل مَن استبرأ لدينِه) !
ويشتمل حديث (الحلال بَيِّنٌ، والحرام بَيِّنٌ) على حقيقةٍ نفسيةٍ؛ وهي صِدقُ الفِطرةِ السليمةِ وأثرها في معرفةِ المعروفِ وإنكارِ المنكَر؛ فلا يكاد القلبُ يُخطىء تمييزَ الحلالِ من الحرام! ويُوضح ذلك ما وردَ في أحاديثِ عَرْضِ الفِتنِ على القلوبِ؛ حيث تنحرف بعضُ القلوبِ؛ فتفقد قُدرتَها الإيمانية على معرفةِ المعروف وإنكارِ المنكر!
وفي هذا الحديثِ إشارةٌ نفسِيةٌ بَدِيعةٌ إلى خُطورةِ الضعفِ النفسي، وأثَرِه في الوُقوعِ في الحرام؛ فمَن تساهلَ وتهاونَ وحامَ حول الشبهاتِ ما يلبثُ أن يقع في الحرامِ؛ وإن ادَّعَى حُسنَ النيةِ وسلامةَ الطوية؛ فلا بُد أن تكشفَ الأيامُ حقيقةَ الأمر، كما قيل:
ومَهما يَكُنْ عندَ امرىءٍ مِن خَلِيقةٍ ** وإنْ خالَها تَخفَى على الناسِ تُعلَمِ!
وأما العبدُ الصالح التقيُّ؛ فإنه يتورعُ عن مواطنِ الفسادِ ومواردِ الشُّبهة؛ استبراءً لدينِه وحفاظًا على عرضِه، كما يفيدُه قولُه صلى الله عليه وسلم: (فمَن ترك ما شُبِّهَ عليه من الإثم؛ كان لِما استَبانَ أتْرَكَ، ومَن اجتَرأ على ما يشك فيه من الإثم؛ أوَشَك أن يُواقِعَ ما استَبان) ! وهذا مشاهدٌ في الواقعِ؛ فما زال الأتقياءُ يَفِرُّون بدينِهم مِن الفتن، وأما الغافلون الجاهِلُون فيتهافتون على مَواردِ الهلكةِ؛ والعياذ بالله!