فهرس الكتاب

الصفحة 6753 من 27345

ومن الناحية الفكرية يُبَيِّنُ هذا الحديثُ الجليلُ أهمية العلمِ في النجاةِ من الفتن والشبهات؛ فقد جاء في الحديث (وبينهما مُشَبَّهاتٌ لا يعلمها كثيرٌ من الناس) ، ومفهومُه أنَّ بعضَ الناسِ لا يشتبه عليهم الحلال بالحرام؛ فهُم على بيِّنةٍ من أمرِهم، وعلى مَعرفةٍ بدينِهم ترفع عنهم ظلمات الجهل وتنير لهم دروبَ العلم والفقه في الدين. قال ابن رجب رحمه الله:"قسمَ الناسَ في الأمورِ المشتبهة إلى قِسمين. وهذا إنما هو بالنسبة إلى مَن هي مُشتبهةٌ عليه, وهو مَن لا يعلمها. فأما مَن كان عالمًا بها واتبع ما دلَّه علمُه عليها. فذلك قسمٌ ثالثٌ لم يذكره؛ لظهور حُكمِه. فإنَّ هذا القسمَ أفضلُ الأقسام الثلاثة؛ علم حُكم الله في هذه الأمور المشتبهة واتبع علمه في ذلك". [9]

فالمؤمنُ يَحذرُ الوُقوعَ في الشُّبهاتِ؛ ويحرص على أنْ لا يقربَ الحرامَ، بل يجعل بينَه وبين الحرامِ حاجزًا، وذلك دليلُ تقوى الله عزَّ وجلَّ، فإنْ شكَّ في بعضِ الأمورِ، وعَسُرَ عليه التفرقةُ بين الحلالِ والحرامِ توقَّفَ، وعَلِمَ أنَّ هذا من الأُمُورِ المشتبهة التي ينبغي فيها الإحْجامُ لا الإقدام، كما قال القرطبي رحمه الله:"فمَنَعَ من الإقدامِ على الشُّبهاتِ مَخافةَ الوُقوعِ في المحرماتِ؛ وذلك سَداًّ للذريعةِ، وقال صلى الله عليه وسلم: (لا يبلغُ العبدُ أن يكون من المتقين؛ حتى يَدَعَ ما لا بأسَ به حَذرًا مما به البأس) ، وقال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ مِن الكبائرِ شَتْمَ الرجلِ والِدَيْه! قالوا: يا رسولَ الله وهل يَشتُم الرجلُ والِدَيه؟ قال: نعم؛ يَسُبُّ أبا الرجلِ؛ فيسُبُّ أباه ويَسُبُّ أمَّه؛ فيَسُب أمَّه) ؛ فجَعلَ التعرُّضَ لِسَبِّ الآباء كَسَبِّ الآباء". [10]

ومن الناحية الفقهية والأصولية يُعتبرُ حديثُ (الحلال بَيِّنٌ، والحرام بَيِّنٌ) أصلًا في سَدِّ الذرائع، وهو أصْلٌ عظيمٌ من أصُولِ مالكٍ رحمه الله، قال ابنُ رجب في شرحِ حديث النعمان رضي الله عنه:"يُستَدلُّ بهذا الحديثِ مَن يذهب إلى سدِّ الذرائع إلى المحرمات وتحريم الوسائل إليها؛ ويدلُّ على ذلك أيضا قواعد الشريعة تحريم قليل ما يُسكر كثيره، وتحريم الخلوة بالأجنبية، وتحريم الصلاة بعد الصبح وبعد العصر؛ سَدًّا لذريعةِ الصلاةِ عند طلوعِ الشمسِ وعند غروبها, ومنع الصائم من المباشرة إذا كانت تحرك شهوته, ومَنعَ كثيرٌ من العلماءِ مُباشَرةَ الحائضِ فيما بين سُرتها ورُكبتها إلا من وراء حائل كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر امرأته إذا كانت حائضا أن تتزر فيباشرها من فوق الإزار". [11]

ورَحِمَ الله أبا إسحاق الشاطبي؛ فقد بَيَّنَ الحكمةَ من تشريعِ المباح والمكروه، وأكَّدَ ضرورةَ اعتبارِ المكروهِ حاجزًا دون الحرام؛ لأنّ"في إبطال الأخفِّ جُرأةً على ما هو آكدُ منه, ومدخلًا للإخلال به؛ فصار الأخفُّ كأنه حِمىً للآكَد, والراتع حول الحمى يُوشِك أن يقعَ فيه... فالمجترئ على الأخفِّ بالإبطال مُعرَّضٌ للتجرؤ على من سواه". [12]

[1] جامع العلوم والحكم ص 9.

[2] فتح الباري 1/11.

[3] جامع العلوم والحكم ص 9-10.

[4] سنن الدارمي 2/319، حديث2531.

[5] النعمان بن بشير بن سعد الأنصاري: صاحب رسول الله رضي الله عنه وابن صاحبه. وأمه عمرة بنت رواحة أخت عبد الله بن رواحة. وُلد على رأس أربعة عشر شهرا من الهجرة وهو أوّل مولود وُلد في الأنصار بعد قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة. وقد ذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة من الصحابة وقال أبو حاتم: كان أميرا على الكوفة تسعة أشهر، وذلك في عهد معاوية رضي الله عنه . وكان النعمان رضي الله عنه خطيبًا بليغًا، قال سماك بن حرب:"كان والله مِن أخطب مَن سمعتُ من أهل الدنيا يتكلّم". وقد روى المزي في تهذيبه زيارة أعشى همدان له وقوله:"جئت لتصلني وتحفظ قرابتي وتقضي ديني"فاستأذن النعمان رضي الله عنه أهل حمص، واستشارهم في أن يتصدّقوا عليه من عطائهم بدينار عن كل رجلٍ. فأذِنُوا له فأعطاه أربعين ألف دينار. فقبضها الأعشى ثم أنشد يقول:

فلم أر للحاجات عند انكماشها ** كنعمان أعني ذا النَّدَى بن بشير

إذا قال أوْفَى بالمقالِ ولم يكنْ ** كَمُدْلٍ إلى الأقوامِ حَبلَ غُرورِ

متى أكفر النعمانََ لم أكُ شاكرا ** وما خير من لا يقتدي بشكور

وقد مات رضي الله عنه في آخر إمرته على حمص مقتولا في فتنة ابن الزبير سنة أربع وستين وقيل خمس وستين أو ست وستين رحمه الله تعالى.

[6] وردت رواية بلفظ: (المشبَّهات) ، وثانية بلفظ (الشُّبُهات) ، وثالثة بلفظ (المتشابِهات) .

[7] صحيح البخاري 1/28.حديث 52.

[8] صحيح البخاري 2/723. حديث 1946.

[9] جامع العلوم والحكم ص 95.

[10] الجامع لأحكام القرآن 2/58-59.

[11] جامع العلوم والحكم ص 98.

[12] الموافقات في أصول الشريعة 2/ 21 - 22 ونظرية المقاصد للإمام الشاطبي لأحمد الريسوني ص 128.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت