الشيخ: محمد صالح العثيمين
لما كان العقل البشري لا يتمكن من عبادة الله - تعالى - على الوجه الذي يرضاه ويحبه، وكذلك لا يستطيع التنظيم والتشريع المناسب للأمة على اختلاف طبقاتها؛ إذ لا يحيط بذلك إلا الله وحده؛ كان من حكمة الله ورحمته أن أرسل الرسل وأنزل الكتب لإصلاح الخلق وإقامة الحجة عليهم، قال - تعالى: (رُسُلًا مُّبَشِّرِينَ ومُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) [النساء: 165] .
فحكمة إرسال الرسل تتلخص في: الأول: إقامة الحجة على الخلق حتى لا يحتج أحد على الله فيقول (لَوْلا أَرْسَلْتَ إلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ ونَخْزَى) [طه: 134] ، لقد قطع الله هذه الحجة من أساسها بإرسال الرسل وتأييدهم بالآيات البينات الدالة على صدقهم وصحة نبوتهم وسلامة طريقتهم.
الثاني: توجيه الناس وإرشادهم لما فيه الخير والصلاح لهم في دينهم ودنياهم؛ فإن الناس مهما أوتوا من الفهم والعقل والذكاء لا يمكنهم أن تستقل عقولهم بالتنظيم العام المصلح للأمة بأكملها كأمة متماسكة متكافئة متساوية في إعطاء ذي الحق حقه، قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (مثلي كمثل رجل استوقد نارًا فلما أضاءت ما حولها جعل الفَرَاش - وهي الدواب التي تقع في النار - يقعن فيها وجعل يحجزهن ويغلبنه فيها فأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تقتحمون فيها ) رواه البخاري.
فالرسل يذودون الناس عما يضرهم ويدعونهم إلى ما ينفعهم.
الثالث: جمع الأمة على دين واحد ورجل واحد، فإن انقياد الناس لما يشاهدونه من الآيات المؤيدة للأنبياء أسرع وأقوى وأشد تماسكًا؛ فإنهم يجتمعون عليه عن عقيدة راسخة وإيمان ثابت فيحصل الصلاح والإصلاح.
تأييد الرسل بالآيات وكوْنها من جنس ما شاع في عصرهم: لو جاء رجل من بيننا وقال إنه نبي يُوحَى إليه، وأن طاعته فرض، وأن من عصاه فله النار، ومن أطاعه فله الجنة، ثم نظم قوانين، وسن سننًا، وقال امشوا على هذه النظم، وإلا فلكم النار؛ ما كان أحد ليقبل منه - مهما بلغ في الصدق والأمانة - حتى يأتي ببرهان يدل على صدقه، فلو رد أحد دعوة هذا المدعي الذي لم يأتِ ببرهان على صدقه ما كان ملومًا، فالقضية التي تسلم بها العقول أن المدعي عليه البينة وإلا فلا يجب قبول مدَّعاه.
وإتمامًا لإقامة الحجة بالرسل على الخلق أيد الله رسله بالآيات المبينات الدالة على صدقهم، وأنهم رسل الله حقًا، فاصطفى الله للرسالة من الناس من يعلم أنه أهل للرسالة وكفؤ لها ومستطيع للقيام بأعبائها والصبر على مكائد أعدائها (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) [الحج: 75] ، (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) [الأنعام: 124] ، فاصطفى الرجال الكُمَّل الأقوياء أهل الحضارة واللين والفهم (ومَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إلاَّ رِجَالًا نُّوحِي إلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ القُرَى) [يوسف: 109] (أي أهل المدن) ، فإن القرية هي المدينة كما سمى الله مكة قرية (وكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَتِي أَخْرَجَتْكَ) [محمد: 13] ، وسماها أم القرى (لِتُنذِرَ أُمَّ القُرَى ومَنْ حَوْلَهَا) [الأنعام: 92] .
وما بعث الله رسولًا إلا أيده بالآيات على صدق رسالته وصحة دعواه، قال الله - تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ) [الحديد: 25] ، أي بالآيات البينات الواضحات التي لا تدع مجالًا للشك في صدق ما جاء به الرسول المرسل؛ قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (ما من نبي من الأنبياء إلا قد أُعطي من كل الآيات ما آمن على مثله البشر) رواه البخاري ومسلم.