فهرس الكتاب

الصفحة 13957 من 27345

حكمه، شرائطه، حجيته، أقسامه، آثاره

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة: الاجتهاد، وحكمه

إذا كان الاجتهاد، بذلَ الجهد لمعرفة حكم الله عز وجل في أمر ما، طبق ضوابطه وأصوله المعروفة، فالاجتهاد ينبغي إذن أن يكون عدّة كل مسلم ورفيقه في تعامله مع الله عز وجل من خلال تنفيذ أوامره والانتهاء عن نواهيه.

ذلك هو الأصل في الوظيفة التي أقام الله عليها عبادة الذين أسلموا له، وخضعوا للميثاق الذي واثقهم به. إذ إن استخراج أحكام الله من مصادرها، ليست دائمًا من اليسر والسهولة بحيث لا تحتاج إلى أي جهد. بل العكس هو الواقع في الغالب. ولله عز وجل في ذلك حكمة باهرة، لا مجال للخوض فيها في هذا المقام.

غير أن اللطف الإلهي بالعباد، اقتضى الرأفة بهم، نظرًا إلى تفاوتهم في القدرات الفكرية ووسائل الدراية والاستنباط، ونظرًا إلى اختلافهم في الانصراف إلى المشاغل الدنيوية والمرهقات المعيشية التي تحول دون إمكان قيامهم جميعًا بهذا الواجب على السواء وبالوجه السليم.

فكان من رأفته بهم أن رخص لهم في اتباع من أتيح لهم النهوض بهذا الجهد، وذلك من خلال خطابه الذي قال لهم فيه: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النحل: 16/43] .

وبهذا تحول ما كان في أصله واجبًا عينيًا إلى واجب كفائي. إن قام به من يقعون موقعًا من الكفاية التي تحتاج إليها الأمة في التبّصر بأحكام دينها، سقطت مسؤولية هذا الواجب الاجتهادي عن الباقين.

ومن هنا ندرك ضرورة وجود طائفة من العلماء المجتهدين في كل عصر. إذ لا يخلو كل زمن من جديد لم يكن موجودًا أو معلومًا من قبل، يحتاج المسلمون إلى معرفة حكم الله فيه. وإنما سبيل ذلك الاجتهاد. فإن خلا عصر من العصور عن العدد الكافي من المجتهدين، توّرط المسلمون كلهم من جراء ذلك التقصير، في معصية لا ترتفع عن كواهلهم إلا بوفرة هذه الطائفة الكافية من العلماء الذين بلغوا مبلغ القدرة الاجتهادية على استنباط الأحكام من مصادرها.

ويتلخص الدليل على فرضية الاجتهاد كفائيًا في الدليلين التاليين:

أولهما جميع النصوص الدالة على وجوب طاعة الله ورسوله، من مثل قول الله تعالى: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ} [آل عمران: 3/32] وقوله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ} [الأنفال: 8/20] ، وقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مالك في موطئه: (( وقد تركت فيكم إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، كتاب الله وسنتي ) ).

ووجه الدلالة، أن الله تعالى إذا أوجب عليهم طاعته فيما أمرهم به ونهاهم عنه، مما قد ورد في كتابه أو سنة رسوله، فقد أوجب عليهم بذل الجهد اللازم لفهم ما قد دلت عليه نصوص كل منهما. ذلك لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وهي قاعدة أصولية معروفة.

ثانيهما قول الله عز وجل: {وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ} [التوبة: 9/122] .

ووجه الاستدلال بها أن نعلم بأن الجهاد من أهم ما قد شرعه الله وفرضه على عباده. فإذا أمر مع ذلك بتخلّف نفر من الناس عن الخروج إلى الجهاد، لكي يتفرغوا للتفقه في الدين الذي هو استنباط الأحكام من نصوص الكتاب والسنة، فإن ذلك من أجلى الأدلة على أن الاجتهاد في فهم أحكام الدين فريضة كالجهاد، ولكنه فرض كفائي يكفي في القيام به نفر من الناس، بشرط أن يكونوا من الكثرة بحيث يشكلون مرجعًا كافيًا لعامة الناس، فيما قد يستشكلونه أو يسألون عنه.

ولكن هل يغني عامة الناس، ويرفع عنهم الوزر، أن يتبعوا أئمة مجتهدين قد ماتوا وخلوا من قبل، أم لابدَّ أن ينهض من بينهم من يتعلم فيرقى إلى رتبة الاجتهاد، كي يكون لهم في اتباعه ما يغنيهم عن تقليد الأموات؟

الصحيح الذي عليه جمهور العلماء، جواز تقليد المجتهد وإن كان ميتًا. فإن الأقوال الاجتهادية لا تموت بموت أصحابها. يقول ابن القيم: (( هل يجوز للحيّ تقليد الميت والعمل بفتواه من غير اعتبارها بالدليل الموجب لصحة العمل بها؟.. فيه وجهان لأصحاب الإمام أحمد. فمن منعه قال يجوز تغيير اجتهاده لو كان حيًا.. والثاني يقول بالجواز. وعليه عمل المقلدين في أقطار الأرض وخيار ما بأيديهم تقليد الأموات، والأقوال لا تموت بموت قائليها، كما لا تموت الأخبار بموت رواتها ) ) (1) .

ويقول الدهلوي في كتابه حجة الله البالغة (( إن هذه المذاهب الأربعة المدونة المحررة قد أجمعت الأمة أو من يعتدّ به منها على جواز تقليدها إلى يومنا هذا. وفي ذلك من المصالح ما لا يخفى. لاسيما في هذه الأيام التي قصرت فيها الهمم، وأشربت النفوس الهوى، وأعجب كل ذي رأي برأيه ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت