الحَمْدُ لِلَّهِ نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنا، مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هادِيَ لَهُ، وأشْهَدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ، وأشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ?يا أيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها، وَبَثَّ مِنْهُما رِجَالًا كَثِيرًا وَنِساءً، واتَّقُوا اللَّهَ الذي تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحامَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا? [ النساء: 1] . ?يا أيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وأَنْتُمْ مُسْلِمُون? [آل عمران: 102] . ? يا أيُّهَا الَّذين آمَنوا اتَّقُوا اللَّه وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أعْمالَكُمْ، ويَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ، وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًَا عَظِيمًا? [الأحزاب:71] .
تعيش أمة الإسلام اليوم وضعًا صعبًا وخطيرًا حيث أضحت الأعداء تحكمها وتتحكم فيها وتمارس ضدها أبشع أنواع الظلم والتسلط والاستبداد . ولقد جرت سنة الله في هذه الحياة أن يبتلى عباده بالخير والشر، وتتبدل المواقف في حياة الأمم من قوة إلى ضعف ومن ضعف إلى قوة وقد جعل الله تعالى للأمة المستضعفة طرقًا ومخارج تنجيها من ذل أعدائها وظلمهم وجبروتهم.. وفي حياة بني إسرائيل مع فرعون تتجلى الصورة بوضوح. بنوا إسرائيل كانوا في غاية من الضعف والذلة والمهانة وفرعون ودولته يمارسون مع تلك الأمة أبشع أنواع الظلم والتسلط والاستكبار وفي القرآن الكريم مساحات كبيرة فصل الله لنا فيها أخبار القوم لنأخذ منها العبرة ونستفيد من ذلك في حياتنا .. ونحن نواجه الجبروت والطغيان اليهودي والصليبي الذي يستهدف ديننا ووجودنا.
فقد بعث الله نبيه موسى عليه الصلاة والسلام في مهمة عظيمة وهي إنقاذ بني إسرائيل من الظلم والعبودية. إنها مهمة شاقة وكبيرة حيث كان عليه الصلاة والسلام يواجه نظامًا دكتاتوريًا جاوز الحد في الفساد والطغيان.
كما كان يواجه أمة قد فسدت نفوسها وأسنت حياتها واستسلمت للظلم ولم تعد تفكر في الحرية والخلاص . بعث الله نبيه موسى عليه السلام بدعوة الحق إلى فرعون وملأه مؤيدًا بالمعجزات والبراهين ولكن قوبلت بالرفض ووجهت بالحرب، وتمالأ الطغاة على ذلك كما قال تعالى: ? وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ ? [الأعراف:127 ] هكذا يواجه الطغاة في كل زمان دعاة الحق والخير والعدل. إنهم يعلنون عليه الحرب ويصمونهم بالفساد والإرهاب مغترين بقوتهم وجموعهم وعتادهم وأموالهم.
فكيف تواجه الأمة الضعيفة المتجردة من كل أسباب القوة المادية تلك القوى الغاشمة المتسلطة هذا ما يبينه نبي الله موسى لقومه.
? قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ? [الأعراف:128] .
هذا هو الجواب الطبيعي على تهديد فرعون ومواجهة سياسته الإجرامية: استعينوا بالله على هذا الطاغية واصبروا على إيذائه، فإن الأرض ملك لله يورثها من يشاء من عباده.. وليست ملكًا لفرعون ولا لدولته ورجالاته ليسوا إلا نزلاء وسيرتحلون، فهي بحسب سنته تعالى دول، والعاقبة الحسنة التي ينتهي إليها الصراع والتنازع بين الأمم للذين يتقون ويسلكون سنن الله تعالى التي جعلها سببًا لإرث الأرض كالإيمان والاتحاد وجمع الكلمة والاعتصام بالحق وإقامة العدل والصبر على المكاره، والاستعانة بالله عز وجل ولا سيما عند الشدائد.
إن موسى عليه السلام يخبرهم بأن العاقبة ستكون لهم بإرث الأرض بشرط أن يكونوا من المتقين العاملين بشرعه السائرين على سنته في نظام خلقه، وليس الأمر كما يتوهمون ويتوهم فرعون وقومه من بقاء القوي على قوته والضعيف على ضعفه. لكن قوم موسى بلغ بهم الذل والخوف والهلع مبلغًا عجيبًا، فردوا على موسى عليه السلام ردًا فضيعًا حيث قالوا: ? قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا... ? [ الأعراف:129] يعنون أنهم لم يستفيدوا من إرساله لإنقاذهم من ظلم فرعون شيئًا فهو يؤذيهم ويظلمهم بعد إرساله كما كان يؤذيهم من قبل أو أشد فهم في نفق مظلم لا تبدو له نهاية، إنها كلمات تبين مدى ما في النفوس من تبرم وتضجر وانكسار ويجيبهم نبي الله على ذلك بقوله: ?عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ?. [ الأعراف:129]