عندما نسمع كلمة ( الحرية ) نتذكر على الفور قولة الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ( متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا ؟ ) .
وقد نتذكر كذلك ( الثورات ) التي قادها أصحابها باسم ( الحرية ) ..
وقد نتذكر السجون ودهاليز التعذيب الجهنمية الرهيبة .
وقد نتذكر أعواد المشانق التي أقيمت وما تزال تقام بين الحين والحين هنا وهناك بهدف (تأديب) المنادين بالحرية
وقد نتذكر .. ونتذكر ..
قد نتذكر ذلك كله مادام الحديث يدور عن ( الحرية ) ..
ومن العجيب أن ينحصر جل تفكيرنا بالمعنى السياسي للكلمة ، مع أن للحرية معاني كثيرة أوسع وأشمل من مجرد فهم سياسي محدود .. فما الذي يجعل تفكيرنا يتوجه نحو السياسة وحدها دون سواها ؟
إنه - دون ريب - ضغط الواقع الذي يعيشه الإنسان اليوم ، في كثير من بلدان العالم ، حيث حرية الرأي ، وحرية الحياة ، وحرية التعليم ، وحرية التملك .. وكل الحريات الأخرى مهددة بالإعدام في لحظة واحدة نتيجة قرار سياسي أحمق !
غير أن هذا الواقع الأليم - على فداحته - لا يصح أن يحجب عن الرؤية الموضوعية للمسألة ، ولا أن يمنعنا من الفهم الصحيح للحرية ، التي ننادي جميعًا بها .. لأننا من غير تلك الرؤية ، وهذا الفهم ، لن نستطيع أن نتجاوز أزمتنا الحضارية الراهنة ، بل قد نزيد هذه الأزمة تعقيدًا ، وقد ينتهي بنا الأمر إلى خسارة أخرى من حريتنا ، التي يفترض ألا نقبل بها إلا كاملة ، غير منقوصة .
فما هي الحرية يا ترى ؟
ربما كانت الحرية من أكثر المصطلحات التصاقًا بحياة الإنسان وبمصيره ، وربما كان هذا هو السبب ، الذي من أجله يتعرض مفهوم الحرية للكثير من عمليات التشويه والتلبيس والتلاعب .. وقد ظلت الحرية على مدار التاريخ عرضة لعمليات ( تحجيم ) ماكرة يراد منها أن تخدم مصالح بعض أصحاب القرار ، الذين لا يؤمنون أصلًا بالحرية إلا بمقدار ما تمنحهم هذه الحرية من ( سلطات ) تضاف إلى رصيدهم من التسلط والطغيان والجبروت !
ويقودنا البحث عن معنى الحرية أول ما يقودنا إلى رحاب القرآن الكريم الذي يخبرنا بأن الله عز وجل - الذي خلق السموات والأرض - لم يترك هذا الخلق ليعيش على هواه ، ويتصرف بلا ضابط ولا نظام (وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين ) (الدخان: 28) ، بل أخضع الله ذلك كله لمجموعة من السنن لتحكم مسيرة هذا الخلق (وخلق كل شيء فقدره تقديرًا) ( الفرقان: 2) . وتوحي آيات كثيرة بأن هذه السنن تعد بمثابة حواجز تحد من حرية الإنسان في هذا العالم ، وتقيد حركته ، نلمح هذا مثلًا في قوله تعالى: (يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا ) (الرحمن: 33) فالنفاذ لا يكون إلا لوجود مانع أو حاجز ، لكن إرادة الله سبحانه شاءت ألا تكون هذه الحواجز مطلقة بحيث لا يستطيع الإنسان الفكاك من أسرها ، بل جعل الله عز وجل هذه السنن قابلة للتسخير من قبل الإنسان ، لكي يتمكن من القيام بأمانة التكليف، وهذا معنى قوله تعالى (وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعًا منه ) ( الجاثية: 13 ) ، لكنه سبحانه جعل شروطًا لابد للإنسان أن يوفرها حتى يتمكن من تسخير السنن الربانية ، ومن تلك الشروط أن يعرف طبيعة السنن ، التي تحكم الأشياء التي يريد تسخيرها ، وأن يهيئ الظروف المواتية لهذا التسخير .. نلمح هذا المعنى في قوله تعالى تعقيبًا على تحدي الجن والإنس أن ينفذوا من أقطار السموات والأرض في ختام الآية السابقة من سورة الرحمن (لا تنفذون إلا بسلطان ) ويرجح أن السلطان هنا هو معرفة السنن الربانية التي تعين الإنسان على الطيران وتجاوز أقطار السموات والأرض .. والملاحظ أن الإنسان عندما استطاع أن ينفذ من أقطار السموات والأرض اكتسب هامشًا جديدًا من الحرية ، إذ تحرر من قيد الجاذبية ، وتحرر من قيد السرعة ، التي منحت له فطرة ، وهي سرعة مشيه على قدميه ، فأصبح قادرًا على الحركة بسرعات مذهلة تتجاوز عشرات الآلاف من الأميال في الساعة الواحدة !!
ويمكن أن نزيد هذه الفكرة توضيحًا بمثال آخر .. فلو أننا أتينا بإنسان لا يعلم شيئًا عما وصلت إليه الاختراعات والتقنية الحديثة من تقدم ، ثم عرضنا عليه سيارة .. فما يكون موقفه منها يا ترى ؟ إنه - دون ريب - سيقف حيالها حائرًا مستغربًا مندهشًا ، وربما فر منها خائفًا مذعورًا ! فهي بالنسبة له عالم مجهول تمامًا ، ينطوي على كل ما ينطوي عليه المجهول من خوف ومفاجآت.