فهرس الكتاب

الصفحة 15716 من 27345

د.عبدالوهاب بن ناصر الطريري* 16/9/1423

الموقف في دعاء القنوت مظنة إجابة الدعاء حيث تبسط الأيدي في دبر قيام الليل ويؤمن الجميع على الدعاء وفيهم العباد والصلحاء والضعفاء ومن لو أقسم على الله لأبره، وهم في حال من الخشوع والاخبات ورقة القلب، وكل ذلك من أسباب اجابة الدعاء، ولذا فإن اغتنام هذا الموقف باختيار جوامع الأدعية ومأثورها، الجامعة لخيري الدنيا والآخرة، وهو ما نلاحظه في كثير من المساجد حيث الأئمة من الحفاظ وطلبة العلم، ولكن ثمة ملاحظات قليلة تصدر بحسن نية من البعض نذكرها من باب التذاكر والتواصي بالحق فمن ذلك:

(1) الإطالة المملة في الدعاء والتي تشق على الناس وتثقل عليهم العبادة، فيؤمنون وقلوبهم قد كلت وسئمت، وهذا من فتنة الناس عن العبادة وتثقيلها عليهم، وإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أنكر على معاذ إطالته قراءة القرآن في الصلاة، فكيف بإطالة الدعاء.

(2) ترتيل الدعاء كما ترتل آيات الكتاب مع أن الأصل في الدعاء الانكسار والإخبات، والخضوع بلا تكلف ولا تقصد لنغمة معينة أو أداء معين ولم ينقل إلينا أداء الدعاء مرتلًا كما نقلت آيات الكتاب العزيز؛ فإثقال الدعاء بالمد اللازم والإدغام بغنة والقلقلة، تكلف يبعد عن لب الدعاء وهو الخشوع فيه.

(3) التفصيل عند الدعاء بأحوال البرزخ ويوم القيامة بطريقة تحول الدعاء إلى موعظة؛ فربما سمعت من يدعو بالثبات عند الممات إذا بردت القدمان وشخصت العينان، ويبس اللسان في وصف طويل لحالة الاحتضار وهذا من الوعظ وليس من المسألة في شيء ومثله من يسأل أن يجيرنا الله من النار إذا جئ بها يوم القيامة تقاد بسبعين ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك، فأين هذا كله من الدعاء القرآني الجامع (وقنا عذاب النار) ؛ ومثل ذلك التفصيل في ذكر نعيم الجنة والذي هو لازم دخولها ولذا أنكر سعد ابن أبي وقاص - رضي الله عنه - على ابنه لما سمعه يسأل الله الجنة ونعيمها واستبرقها ويستعيد من النار وأغلالها وكذا وكذا وقال له: إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"إنه سيكون قوم يعتدون في الدعاء"وإن بحسبك أن تقول: اللهم أسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل"."

وهذا التفصيل يخرج بالدعاء عن مقصودة وهو المسألة إلى باب آخر وهو الوعظ والتذكير والترقيق وهو مطلوب ولكن في غير هذا الموقف.

إن الاسترسال بهذه الطريقة يشعرك بأنك تستمع إلى خطيب قد ولاك ظهره وليس إلى قانت يسأل لك ربه.

(4) التفصيل في الدعاء على الكفار، بتجميد الدماء في عروقهم، وحبسهم في جلودهم، وأن يتمنوا الموت فلا يجدوا إليه سبيلًا وأن ترمل نساؤهم وييتم أطفالهم في طائفة من هذا النوع طويلة فإين هذا مما ورد في الدعاء على المعتدين"اللهم اهزمهم وزلزلهم""اللهم أشدد وطأتك عليهم""اللهم اكفناهم بما شئت"ونحوه.

بل انك تعجب غاية العجب عندما تسمع تعميم العقوبة على كل كافر من اليهود والنصارى والشيوعيين والدعاء عليهم بالفناء والهلاك وهذا فيما أحسب من الاعتداء في الدعاء لأمور منها:

أ. أننا نعلم بخبر نبينا أن ذلك مخالف لقدر الله - عز وجل - الذي قدره وخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي أخبر، فالروم في آخر الزمان أكثر الناس، وستجرى الملاحم الكبرى في أخر الزمان مع الكفار، وستقوم الساعة على شرار الناس،"وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ" [هود:118] .

ب. أننا على يقين أن من الكفار من لهم نفوس سوية، وفطر مستقيمة وأنهم مهيؤون لقبول الدعوة وتلقى الهداية، كما قال جل وعز عن مشركي قريش (عسى أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة) ولو أيقنا أن كل الكفار قد شد على قلوبهم لما كان لرواية حديث (لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم) كبير معنى، ولم يكن لكل جهد نبذله في الدعوة مبرر ولا جدوى.

ومثل ذلك الدعاء على الكفار أن يقطع الله نسلهم، ونحن نتذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استأنى بقومه وهو يقول"لعل الله يخرج من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئًا وقوله - صلى الله عليه وسلم - وقد قيل له يا رسول الله ادع على المشركين فقال - صلى الله عليه وسلم - (إني لم أبعث لعانا، وإنما بعثت رحمة) ."

نعم إن من أسباب هذا الانفعال كله الشعور بحرارة الظلم والبغي من الدول الكبرى والذي أمض القلوب، وأقض المضاجع، وعقد المرارات في أفواه المسلمين، ولكن المسلم يصدر في دعائه وسائر عباداته من الأدلة الشرعية وليس المشاعر النفسية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت