سنا محمد طوط 3/9/1426
جُبلت النفوس على حب الثناء و نيل الجزاء، قد علم الله -عز و جل- منها ذلك، فوعدها من الثواب أضعافًا مضاعفة على أعمال البر و التقوى و الصلاح، و أمرها بالمسارعة في الخيرات و استباقها و التنافس عليها، ثم جعل الجنة درجات، يدرك أعلاها من خاض غمار المنافسة الشريفة وسيلة و غاية فربح السباق .
لئن كان سبحانه سمّى هذه الدار دار ابتلاء و اختبار، فلأن الاختبار يفرض التنافس و التسابق. و لنتأمل قوله تعالى: (...وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) [المائدة: من الآية48]
لقد أدرك ساسة الدول أهمية التنافس فشرّعوا ميادينه، و أجزلوا الحوافز مادية و معنوية، و ابتكروا الترقيات و الترفيعات، كل ذلك استثمارًا للعقول و استدعاء ً للأفكار وإيقاظًا للهمم، فضلًا عما أودعه الله ابن آدم من غريزة حب التفوق منذ خلقه .
و ميادين المنافسة كثيرة جدًا، فالناس فيهم الكاتب الفذ، و المقاتل الشجاع، و الصانع المبدع، و الفنان المتألق، و الدنيا تتسع لكل هؤلاء، و تحتاج كل هؤلاء، و بهؤلاء جميعهم ترتقي الحياة.
إلا أن الإنسان لا يستطيع خوض الميادين كلها، بل عليه اختيار حلبته و ميدان إبداعه، حتى لا يقوده الغرور إلى خوض ما لا يحسن، و ما لا قبل له فيه، ثم الإخفاق، كمثل الذبابة في بعض الحكايا، إذ شاهدت عربة لنقل الخضار، و قد عجزت عن متابعة التصعيد في طريق جبلية وعرة، و حاول السائق دفعها دونما جدوى. تأملت الذبابة الحمقاء جناحيها اللذين يحملانها عاليًا في الفضاء، و ظنت أنها ستفلح بهما فيما أخفق فيه ذلك السائق المسمرة قدماه في الأرض، فراحت تدفع و تدفع العربة حتى هلكت.
قد جعل الله لكلٍ موهبة و مجالًا يبرع فيه ليتخذ الناس بعضهم بعضًا سخريًا، فلا يقتحم مغرور كل ميدان يناطح فيه أربابه و يطاول عمالقته، حتى إذا عجز و أخفق امتلأت نفسه حسرات و حسدًا، و العياذ بالله من شر الحسد.
كما أن الأحوال ليست كلها أحوال منافسة، و إنما تكون المنافسة فيما يصلح الآخرة و يعمر الدنيا. لذلك نهى رسولنا -صلى الله عليه و سلم- أن يبيع المسلم على بيع أخيه، و نهى أن يخطب على خطبة أخيه، مبينًا أن ذلك سبب إلى الكراهية و الحسد . فيما نجد عمر و أبا بكر -رضي الله عنهما- يتنافسان في عمل الخيرات. و في الأثر عن عمر -رضي الله عنه- قال:"أمرنا رسول الله -صلى الله عليه و سلم- يومًا أن نتصدق، و وافق ذلك مالًا كان عندي فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يومًا ."
فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ما أبقيت لأهلك؟ قلت: أبقيت لهم. قال: ما أبقيت لهم؟ قلت: مثله. و أتى أبو بكر بكل ما عنده، فقال: يا أبا بكر،ما أبقيت إلى أهلك؟ قال: أبقيت لهم الله و رسوله، قلت: لا أسبقه إلى شيء أبدًا"."
و روح المنافسة-كما وجدناها عند عمر -رضي الله عنه- حافز إيجابي إلى تحسين الأداء و ابتكار الأساليب و الوسائل، و تشمير ساعد الجد و العزيمة، أو تستحيل إلى عواطف سلبية تولد البغضاء و التحاسد و تذهب بروح الأخوة و التعاون، فيكثر الخصام و الجدل، و تضيع في خضم ذلك كله الأهداف الكبرى لتحل محلها نزعات الثأر والتشفي. أولم يحسد ابن آدم أخاه لمّا تفوق عليه و تقبل الله قربانه فقتله؟
و روح المنافسة ما غابت عن قوم إلا حلّ بهم الخمول و الكسل و قعدوا عن العمل، كما نشهد في مجتمعاتنا الفتية من ضياع الطاقات الشابة التي هي أعظم الموارد على الإطلاق، فعقولها مصانع الإبداع، و سواعدها آلات البناء، وإرادتها منبع التغيير والإصلاح. وقد بات شبابنا كما قال ولي الدين يكن:
كأن أرؤسهم و النوم واضعها على المناكب لم تخلق بأعناقِ
و إذا نحن نراوح أماكننا على ما حبانا الله من طاقات بشرية و طبيعية، نرمق العالم من بعيد يلوح لنا عن سطح القمر و المريخ، أو نشهده يشق أرضنا ليحكم قبضته على ثروات بلادنا يشيد بها حضارته العتيدة .
و ليس الفساد الإداري المستشري في بلادنا، و الذي جعل مؤسساتنا أشبه شيء بعصابات المافيا، حيث تمارس كل القبائح الخلقية بدءًا بالوساطة و انتهاء بالرشوة، و حتى وُسّد الأمر لغير أهله، وبيعت الذمم و أُريقت الكرامة الإنسانية على مذبح الحاجة و العوز، ليس ذلك إلا أحد مظاهر غياب روح التنافس الإيجابي، في مجتمع خلا من المؤسسات المختصة التي تمنح الفرد فرصة إثبات الوجود و الحصول على دوره الطبيعي، ثم تمنحه فرص الترقي و الحوافز على اختلافها .