فهرس الكتاب

الصفحة 17705 من 27345

د. التاج إبراهيم دفع الله أحمد*

(دراسة تحليلية)

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد:

فإنَّ من الموضوعات المهمة في زماننا هذا وفي كل زمان التعريف بالطريقة الصحيحة التي يتم بها اختيار الخليفة أو الحاكم أو رئيس الدولة، وأفضل القرون التي مرَّت على الأُمَّة الإسلامية، هو قرن الرسول صلى الله عليه وسلم ، وبعده الخلفاء الراشدين الأربعة. لذا فإنِّي سأتناول في هذا البحث الطريقة التي تمت بها تولية كل من الخلفاء الراشدين الأربعة، في المباحث التالية:

المبحث الأول: مرحلة تولية أبي بكر الصديق رضي الله عنه .

المبحث الثاني: مرحلة تولية عمر بن الخطاب رضي الله عنه .

المبحث الثالث: مرحلة تولية عثمان بن عفان رضي الله عنه .

المبحث الرابع: مرحلة تولية علي بن أبي طالب رضي الله عنه .

وأختم البحث بخاتمة ألخِّص فيها أهم النتائج التي توصّلت إليها.

ولكني أرى في البدء أن أنبِّه إلى الحقائق التالية:

[1] أنَّ الخليفة وكيل الأُمَّة في حراسة الدين والدفاع، عنه وفي إدارة شؤون الدولة.

[2] أنه يستمد سلطانه أو سيادته من الأُمَّة التي يمثلها، والتي وكَّلته في القيام بمهام منصبه.

[3] أنَّ عقد الوكالة مثله مثل سائر العقود، يقوم على إيجاب من الأصيل وقبول من الوكيل.

[4] أنَّ الوكيل ينعزل بعزل موكِّله، كما تنتهي وكالته بموته هو، وكذلك ليس له أنْ يقيم غيره مقامه إلاَّ برضا الأُمَّة وموافقتها.

المبحث الأول

مرحلة تولية أبي بكر الصديق

كان الرسول صلى الله عليه وسلم يرى أنَّ أحق الناس بخلافته في أمته هو أبو بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه ، وله في ذلك إشارات كثيرة رواها رجال التاريخ الثقات، كما رواها أصحاب الطبقات، ومن هذا قوله صلى الله عليه وسلم: (لو كنت متخذًا خليلًا غير ربِّي لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكن أُخوَّة في الإسلام ومودَّة) (

[1] )، وقوله أيضًا: (أرحم أُمتي بأمتي أبو بكر) ( [2] ) .

وفي هذا أيضًا يروي الإمام البخاري عن جبير بن مطعم عن أبيه (رضي الله عنهما) قال: أتت النبي صلى الله عليه وسلم امرأة فكلَّمته في شيء، فأمرها أنْ ترجع إليه، فقالت: يا رسول الله أرأيت إنْ رجعت فلم أجدك كأنها تريد الموت ـ وفي رواية أخرى كأنها تعرض بالموت ـ قال: (إنْ لم تجديني فأتِ أبا بكر) ( [3] ) .

بل إنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم كان قد هَمَّ فعلًا بالعهد إلى أبي بكر بالخلافة بعده، وفي هذا يروي البخاري أنَّه صلى الله عليه وسلم قال في حديث له: (لقد هممتُ أو أردتُ أنْ أرسل إلى أبي بكر وابنه فأعهد، أنْ يقول القائلون أو يتمنى المتمنون، ثم قلت: يأبى الله ويدفع المؤمنون، أو يدفع الله يأبى المؤمنون) ( [4] ) .

وفي أثر آخر أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال للسيدة عائشة (رضي الله عنها) لما مرض: (لقد هممت ـ أو أردت ـ أن أرسل إلى أبي بكر وابنه فأعهد، أن يقول القائلون، أو يتمنى المتمنُّون، ثم قلت: يأبى الله، ويدفع المؤمنون ـ أو يدفع الله ويأبى المؤمنون ـ) ( [5] ) .

وعن ابن أبي مليكة قال: سمعت عائشة (رضي الله عنها) وقد سُئلت: يا أم المؤمنين من كان رسول الله مستخلفًا لو استخلف؟ قالت:"أبا بكر، ثم قيل لها: مَنْ بعد أبي بكر؟ قالت: عمر إلخ" ( [6] ) .

هكذا كان رأي الرسول عليه الصلاة والسلام في أبي بكر، وأنه أحق الناس بخلافته من بعده، وهو بلا ريب كان رأي المسلمين جميعًا، فإذا بويع بالخلافة كان ذلك أمرًا طبيعيًا، وكان أمرًا يتقبله المسلمون أحسن قبول.

وبعد هذا ننتقل إلى خطوة أخرى لنرى كيف واجه المسلمون الأمر بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وكيف عالجوا هذه المشكلة التي لم يكن لهم بمثلها عهد من قبل، ولنعرف كيف نجحوا في علاجها (في سقيفة بني ساعدة) علاجًا باهرًا جعل المستشرق"ماكدونالد"يقول:"إنَّ اجتماع السقيفة يذكرنا إلى حد بعيد بمؤتمر سياسي دارت فيه المناقشات وفق الأساليب الحديثة، ولنعرف أخيرًا كيف تمت ولاية أبي بكر أمر المسلمين" ( [7] ) .

وبعد فقد حفلت كتب التاريخ والسُّنَّة المعتمدة برواية ما كان في اجتماع السقفية بشأن اختيار خليفة لرسول الله ( [8] ) .

وإنْ كان الباحث لا يستطيع أنْ يطمئن كل الاطمئنان إلى كل ما رُوِيَ عن الاجتماع الخطير والنصوص التي تبودلت بين المهاجرين وبين الأنصار وألفاظها، فإنَّ الإنسان عرضة دائمًا للنسيان، وإنْ كان من أقوى الناس حافظة وذاكرة.

لكن فقد روى الإمام محمد بن إسماعيل البخاري في صحيحه قال: اجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة ـ كان سيد الخزرج ـ رضي الله عنه في سقيفة بني ساعدة فقالوا: منَّا أمير ومنكم أمير، فذهب إليهم أبو بكر وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجرَّاح، فذهب عمر يتكلَّم فأسكته أبو بكر، وكان عمر يقول: والله ما أردتُ بذلك إلاَّ أنِّي قد هيأتُ كلامًا قد أعجبني خشيتُ ألا يبلغه أبو بكر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت