سلسلة على طريق الأصالة
محمد صلى الله عليه وسلم
بسم الله الرحمن الرحيم
###5### بسم الله الرحمن الرحيم
الرسول الخاتم
(المثل الأعلى والأسوة الحسنة)
ما تزال سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وستظل على مدى الأجيال والقرون، وحتى يرث الله تبارك وتعالى الأرض ومن عليها نبراسًا للمسلمين وضوءًا كاشفًا في حياتهم وأعمالهم ووجهتهم، فقد كانت تطبيقًا كريمًا لمنهج الله الذي جاء به القرآن الكريم ونورًا هاديًا لكل أمة تريد أن تصل إلى الحياة الكريمة على هذه الأرض أداءًا لحق الله وإقامة لمجتمعه في الأرض ومن حيث أخذت تنظر في وقائع حياة الرسول الكريم فأنت لا ريب تجد العبرة والقدوة والأسوة التي تضيء لك الطريق.
ذلك أن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ليست حديث تفاخر أو تندر أو تسلية وتبسط ولكن حياة الرسول هي منهج لحياة المسلمين على مدى الأزمان وهي ضرورة حتمية في أيام الأزمات وفي مراحل الضعف والتخلف وهي عامل أساسي في سبيل عودتهم إلى الله وإقامة المجتمع الرباني على الأرض من جديد فقد كانت حياة الرسول هي ###6### التطبيق العملي لمنهج القرآن والشريعة الإسلامية وستظل نبراسًا للأمة الإسلامية في جميع مراحلها في مختلف أزماتها وحين يشتد عليها الحصار والاحتواء من القوى الغازية ومخرجًا لها من كل مؤامرات خصومها.
كانت هذه الحياة خصبة حافلة بالعطاء، ووصلت إلينا كاملة بأدق دقائقها، كأنما نرى الرسول صلى الله عليه وسلم ونسمعه في مختلف وقائع حياته قائمًا ونائمًا ومتحدثًا وعابدًا ومحاربًا وقاضيًا.
فقد كان هذا كله إذ جمع الله تبارك وتعالى له ولمن تبعه بين الدعوة والدولة، وبين الرسالة والقيادة، وبين التبليغ والحكم، وهو ما لم يتحقق لنبي من قبل، وقد أعطى ما لم يعط رسول سبقه، وجاء الأنبياء برسالتهم إلى قومهم وبعثه صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة وختمت به رسالات السماء فلا نبي بعده، وأعطى الأنبياء معجزات حسية لعصرهم وبيئتهم أما هو فقد أعطى القرآن معجزة المعجزات الباقية الخالدة إلى يوم القيامة، يقول صلى الله عليه وسلم:
"ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن البشر، إذ كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله لي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا".
وأعطى الأنبياء كتب السماء ووكل إليهم حفظها فاختلف فيها أما كتاب محمد صلى الله عليه وسلم فقد حفظه الله تبارك وتعالى (إنا نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) بل لقد زاده الله شرفًا حين قال (وإن علينا بيانه) .
###7### وما من نبي أو رسول إلا ناداه الله تبارك وتعالى باسمه، أما نبيكم فقد كرمه الحق تبارك وتعالى فقال: (يا أيها النبي، يا أيها الرسول) وقد جعله حبيبًا ومقربًا حتى أقسم بحياته (لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون) وما حلف الله تبارك وتعالى بحياة أحد قط غيره وزاده حبًا حين جعله أشد قربًا (فاصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا) .
وعندما عاتبه قدم العفو على العتاب (عفا الله عنك لم أذنت لهم) .
وقد كرم الله تبارك وتعالى أمة هذا النبي فوضع عنهم الإصر الذي كان على الأمم قبلهم، وأحل لهم كثيرًا مما شدد على من قبلهم ولم يجعل عليهم في الدين من حرج ورفع عنهم المؤاخذة بالخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه وحديث النفس"وأن من همّ بسيئة منهم لم تكتب عليه سيئة بل تكتب حسنة إن ترك فعلها، ومن همَّ بحسنة فإن عملها كتب عشرًا".
قال تعالى: (ما جعل عليكم في الدين من حرج) . وقال: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) وقال تعالى: (ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم) .
وقد كرم الله تبارك وتعالى رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فلم يأخذها بسنن الأمم السابقة بل أعطاها عشرات الرحمات فلم يرسل لها الآيات حتى لا يهلكها حين كذبت وما أعطى الله تبارك وتعالى أمة ###8### محمد أن جعل فيهم طائفة لا تزال ظاهرة على الحق حتى يأتي أمر الله.
وبعد فإذا ذهبنا نستجلي شمائله الكريمة وجدنا عجبًا:
لما انكسفت الشمس يوم وفاة ابنه إبراهيم وقال الناس إنها انكسفت لموته خرج يجر ردائه ويعلن أن الشمس والقمر آيتين من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا حياته.
وعندما سمع الناس الصوت المدوي في غلس الصباح الباكر وخرجوا منزعجين رأوه صلى الله عليه وسلم عائدًا من مكان الصوت على فرس عرى وسيفه في رقبته وهو يقول لهم: لن تراعوا، لن تراعوا، وعندما وجد رجل يرتعد بين يديه قال له صلى الله عليه وسلم: