فهرس الكتاب

الصفحة 20860 من 27345

تأليف:

د. ياسر بُرهامي

إعداد وتنسيق:

براحة الدورات الشرعية والبحوث العلمية

بمنتدى البراحة

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله- صلى الله عليه وسلم -.

أما بعد..

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد- صلى الله عليه وسلم -، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

ثم أما بعد..

فإنه لما هُزِم المسلمون في غزوة أحد، وقُتل منهم سبعون شهيدًا، وتعجَّب المسلمون كيف أصابهم ذلك وهم أهل الحق والإيمان، وعدوهم الكافر المشرك الذي يحارب الله ورسوله- صلى الله عليه وسلم -, الذي لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر؟ تعجبوا كيف انتصر الكافرون الذين يبغضهم الله تعالى ويتوعدهم بأنواع العذاب والنكال في الدنيا والآخرة؟ كيف ينتصر هؤلاء على أهل الإسلام؟ كيف يهزمون جيشًا فيه رسول الله- صلى الله عليه وسلم - والمبشرون بالجنة وباقي المهاجرين والأنصار وهم السابقون الأولون الذين مدحهم الله- عز وجل - أعظم المدح؟ جاءهم الجواب من عند الله تعالى: { أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ، وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا } [آل عمران: 165-167] .

{ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ } وهي قتل السبعين من المسلمين في أحد { قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا } قد أصبتم الكفار ضعفي هذه المصيبة بأن قتلتم منهم سبعين وأسرتم سبعين يوم بدر.

{ قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا } أي: كيف هذا, { قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ } فيكشف سبحانه عن رحمته بهم حين أصابهم بمصيبة أخف مما عاقب به الكفار، ويبيِّن لهم السبب الذي من أجله أصيبوا بهذه المصيبة { قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ } , قال ابن كثير رحمه الله: (يقول تعالى: { أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ } وهي ما أصيب منهم يوم أحد من قتل السبعين منهم، { قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا } يعني يوم بدر فإنهم قتلوا من المشركين سبعين قتيلًا وأسروا سبعين أسيرًا، { قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا } أي: من أين جرى علينا هذا؟، { قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ } ، روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: حدثني عمر بن الخطاب- رضي الله عنه - قال:(لما كان يوم أحد من العام المقبل عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء، فقتل منهم سبعون وفرَّ أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم - عنه، وكُسِرَت رباعيته، وهُشمت البيضة على رأسه، وسال الدم على وجهه، فأنزل الله: { أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ } بأخذكم الفداء) ، وهكذا رواه الإمام أحمد بأطول منه، وهكذا قال الحسن البصري، وروي ابن جرير عن علي- رضي الله عنه - قال: (جاء جبريل إلى النبي- صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا محمد إن الله قد كره ما صنع قومك في أخذهم الأسارى، وقد أمرك أن تخيّرهم بين أمرين: إما أن يقدموا فتضرب أعناقهم, وبين أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم عدتهم، قال: فدعا رسول الله- صلى الله عليه وسلم - الناس فذكر لهم ذلك فقالوا: يا رسول الله عشائرنا وإخواننا ألا نأخذ فدائهم فنتقوَّى به على قتال عدونا ويستشهد منا عدتهم فليس في ذلك ما نكره, قال: فقتل منهم يوم أحد سبعين رجلًا عدة أسارى بدر) رواه النسائي والترمذي وقال: حسن غريب، وقال محمد بن اسحق والربيع بن أنس والسدي: ( { قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ } أي بسبب عصيانكم لرسول الله- صلى الله عليه وسلم - حين أمركم أن لا تبرحوا من مكانكم فعصيتم يعني بذلك الرماة) اهـ باختصار يسير.

فتأمل في هذه القصة حق التأمل، وانظر كيف كان حب الدنيا سببًا للخطأ في الاجتهاد في أمر الأسارى في أخذهم والاستكثار منهم أولًا بدلًا من الإثخان أثناء المعركة الذي هو أحب إلى الله، ثم في قبول الفداء؛ فلقد كان دافع الكثيرين في قبول الفداء ليس المصلحة كما كان اجتهاد رسول الله- صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر- رضي الله عنه -، وإنما كان إرادة الدنيا، قال تعالى: { مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ } [الأنفال: من الآية67] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت