أعده ابن شعيب المالكي
تمهيد ــ:
ساهمت بلادنا ليبيا منذ الفتح العربي في مد العالم الإسلامي بعلماء أفذاذ ورجال عظام وهبوا أنفسهم للتعلم والتعليم وكرسوا جهودهم على صنع جيل يقدر المصلحة ويعمل من اجلها ويعرف الواجب ويستميت في الدفاع عنه والحفاظ عليه غير أن الكثير منهم بقوا جنودا مجهولين لم يجدوا من يعرف بهم ويذكر فضائلهم وما قاموا به من جميل الخصال وجليل الأعمال ومن بين أولئك الجنود المجهولين لدى الكثير من شبابنا رغم كثرة تأليفه وعظم مواقفه التي حفظها التاريخ لنا هو: أبو عبدالله محمد الخروبي ذلكم العالم العامل ذو الباع الطويل في مختلف أنواع العلوم والمعرفة وخاصة العلوم الشرعية واللغوية على اختلاف فروعها .
ويجدر بنا التعرض لذكر تأليفه وآثاره العلمية ومواقفه الجلي أن نذكر شيئا عن حياته .
نسبه ومولده:
انه الشيخ الورع العالم المفضال أبو عبدالله محمد بن علي الخروبي الطرابلسي المولود بقرقارش بضواحي طرابلس ويوصف أحيانا الخروبي الصغير للتفريق بينه وبين والده ويغلب على الظن أن ولادته كما قال الأستاذ المؤرخ المهدي أبو عبدالله الجزائري كانت سنة 770 هجري وكان والده الشيخ علي الخروبي من علماء البلاد الأفذاذ الذين جمعوا بين غزارة العلم وصالح العمل . فكان ابنه المذكور نبتة صالحة من بذرة طيبة . وفرعا قويا زكا من اصل له قدم راسخة في علوم الظاهر والباطن .
طلبه العلم:
بدأ حياته التعليمية بالتوجه إلى الكتاب لقراءة القران الكريم كعادة من عايشوه أو سبقوه في مجال التعليم فان الكتاب يعتبر عند الأقدمين بمثابة المرحلة الابتدائية من الدراسة والتعليم . ثم لازم بعض علماء البلاد الأصليين وغيرهم كوالده الذي كان وقتها محط الأنظار وقبلة طلاب العلم والمعرفة وكالحاج قاسم بن قلاع وخليفة أبى غرارة وعبد النبي الجبالى والولي محمد شأن الشأن وأبي عبدالله محمد الشهير بزيتون والشيخ محمد بن عبد الرحمن الخطاب الذي كان يثني عليه ثناء عاطرا حيث يقول فيه ـ:
ربانا أحسن تربية وأدبنا أحسن تأديب واجتهد في تعلمينا وكان يقوم بشؤوننا ويتحفنا بخدمة الصالحين وموالاة الفقراء ويقول من خدم شيخا كبيرا لكبر سنه قيض الله تعالى له من يخدمه في آخر عمره وإنا جدنا بركة ذلك وثمرة خدمتنا لأولياء الله تعالى ولعبيد الله فوفي الله لنا المكيال وأمال إلينا قلوب الرجال فكنا إذا ارمنا اطعنا وإذا أردنا أعطينا وإذ استشفعنا قبلنا ولله الحمد والشكر .
كما تتلمذ لأحد تلاميذ والده الذي كان قد التقى به في مصراتة وهو العارف بالله صاحب التأليف الكثيرة العظيمة الشيخ أحمد زروق الذي أثنى صاحبنا عليه وعلى عنايته به ورعايته له يقوله: وهذا الشيخ يعني أحمد زروق له فينا تربية وتأديب ورثنا منه توفر نصيب فكان رحمه الله تعالى قد تولى تربيتنا بعد المولى الوالد فكان علينا عطوفا وبنا رءوفا وكان يرعى ذمامنا رعيا للمولى الوالد . ولقد جرت له قضايا لا نطيل بذكرها وله علينا حقوق لا نقوم بواجبها وشكرها فجزاه الله تعالى وجميع أشاحنا أفضل الجزاء .
هذا وقد ذكر الخروبي وهو يتحدث عن سفره إلى قرية جنزور ليتتلمذ عن الشيخ العارف بالله عبد الله النبي الحبالى بتكليف من أستاذه زيتون .انه مكث عنده بجنزور وهو وأخوه في الله أبوكر بن إبراهيم النفاتي ثلاثة أيام ولما أرادا الانصراف والرجوع إلى طرابلس ليواصلا التحصيل عن الأستاذ زيتون وغيره ممن كانوا بمدينة طرابلس من العلماء سار الشيخ الحبالى في تودعيهما .وعند مفارقته لهما اختص الشيخ الخروبي بقوله له: يا ابن الشيخ لاينبغى للعبد أن يطلعه الله على غيب السماوات حتى يكمل أربعين سنة وهي السنة التي يكمل فيها أرسل ( صلى الله عليه وسلم ) إلى الناس .قال الخروبي: فلما فتح الله علينا بما فتح ومحنا من المواهب الربانية ما منح تذكرت كلام الشيخ فإذا الفتح وقع لنا في الوقت الذي أشار به الشيخ وكنت حين وقوع هذه الإشارة منه ابن نحو اثنتين وعشرين سنة أو ما يقاربها وهكذا نجد الشيخ الخروبي مطيعا لأساتذته منفذا لتوجيهاتهم عاملا على كسب مودتهم ورضاهم وذلك كله يعتبر من الشروط أساسية لبلوغ المرام والوصول إلى درجة الكمال في التعليم والتحصيل فهل يمكن لطلابنا أن يعلموا على تحقيق ذلك في هذا الوقت الذي نحن أحوج فيه مما مضى إلى أن يكون العلم وسيلة لا غاية وطريقا للوصول إلى الكمال نرجو أن يحصل منهم ذلك .
بداية الهداية:
لأحث تباشير الهداية التي حبي الله بها الخروبي بسبب ملازمته للعلماء ولصحاب الطرق الصوفية وتردده على حلقات الذكر التي كانت لها أماكن خاصة في زمانه وذلك عائد إلى التربية والتوجيه اللذين حظي بهما في بيته حيث أن والده كان من أهل العلم والمعرفة والورع والتصوف .