سلسلة على طريق الأصالة: في مواجهة ركام الفكر المطروح على الساحة اليوم - 11
قراءات الشباب المسلم في مواجهة ركام الفكر المطروح على الساحة اليوم:
[ما هي المحاذير التي يجب ألا يقع فيها الشباب المسلم عند قراءة كتاب وكيف يقرأ المسلم الكتاب وماذا يقرأ المسلمون حتى يحصنوا أنفسهم ضد موجات الغزو الفكري؟] .
هذه أسئلة تتردد كثيرًا ويطلب من الباحثين المسلمين الإجابة عليها والواقع أن الإسلام لا يحرم قراءة أي نوع من الكتب بشرط أن يكون لدى القارئ خلفية من الفهم والثقافة والقدرة على معرفة الغث من السمين، ولقد حدد الإسلام الوجهة في أن يتابع المثقف المسلم العلوم النافعة أساسًا ولا يشغل نفسه بالكتب التي تعني بالذات والشهوات والإباحيات وما يروي أحاديث البغاة والزنادقة الذين يصورون الشهوات سواء أكان ذلك في صورة قصة أو في ديوان شعر أم في كتابة عامة، فهذه الكتب التي تنتشر كثيرًا هذه الأيام لمؤلفين مجهولين أو التي تعيد إحياء فكر الباطنية والزنادقة: أمثال أبي نواس وبشار وغيرهم من الكتب التي تصنف تحت عنوان الأدب أو التي تحاول أن تقدم صورًا عاصفة من أحاديث الرواة التي كان يقدمها القصاص في بعض المجالات العابثة أو الندوات الصاخبة، فهذه كلها كتب لا تفيد ولا تعطي النفس المسلمة ما تتطلع إليه من إيمان ويقين وتقوى، وقد نبذت هذه الكتب طوال فترات تماسك المجتمعات الإسلامية، وعندما كانت الأمة الإسلامية مشغولة بالمهام الكبرى في بناء حضارتها وعلومها.
فلما ضعفت الأمة وركنت إلى الرخاوة والضعف استطاع الزنادقة والشعوبيون ودعاة الإباحة استنساخ هذه الكتب وإذاعتها من جديد ونحن نقف في هذه الكتب موقف الحذر فلا نتخذها مراجع في أبحاثنا العلمية ولا نصدق ما جاء بها ولا نؤمن بما أورده كتاب التغريب من أن هؤلاء الزنادقة كان لهم وزن في مجتمعهم أو تأثير، والمراجع الحقيقية تؤكد أنهم كانوا فئة مرذولة مقصاة عن المجتمع الزاخر بالعلماء والباحثين الخلص في عصرهم وأن كل ما حاول طه حسين وجماعته من أن يجعل لهؤلاء ولآثارهم وجود حقيقي إنما كان من باب الهدم، ولذلك فنحن لا نثق بما جاء في كتاب (الأغاني) ولا نثق في مؤلفه (الأصفهاني) ولنرجع إلى ترجمته فنجد إنه كان رجلًا شعوبيًا معاديًا للإسلام مواليًا لأعداء الإسلام وخصومه، وإنه جمع هذه الأشعار والروايات ليرضي طبقة من المترفين الفاسدين، وأن ما رواه في كتابه مضطرب لا يثق به أحد، وأنه ما قصد علمًا ولا بحثًا جادًا ولكنه أراد غواية وإفسادًا كان من بين خطط الشعر وبين الذين هم دعاة التغريب في ذلك العهد، وكذلك نقف هذا الموقف من كتاب (ألف ليلة) هذا الكتاب اللقيط الذي ليس له مؤلف معين والذي جمعت رواياته من مجتمع فارس الوثني قبل الإسلام وأضيفت إليه بعض قصص عراقية ومصرية، كذلك كل ما أورد من شعر منسوب إلى عمر الخيام لم يصح فيه شيء إلا القليل فلم يكن الخيام في الحقيقة شاعرًا وإنما كان عالمًا فلكيًا ولكن بعض القوى التغريبية أرادت أن تتخذ منه تكأة لإذاعة شعر فارسي في الخمر لم يعرف له مؤلف على النحو الذي قام به (فتزجرالد) وترجمة عصبة من الشعراء العرب الذين خدعوا أو جرى التأثير عليهم ثم كشفت الحقيقة من بعد.
أما ما يتردد دائمًا على ألسنة بعض المغرضين من الإشارة إلى الشعر الغربي الذي عرف في مرحلة من مراحل المجتمعات الإسلامية سواء من شعر الخمر أو الجنس أو الغلمة فإن هذا وافد معروف وفد على الأدب العربي تحت تأثير الظروف التي واجهها المجتمع الإسلامي بعد ترجمة آثار اليونان والفرس والهنود من كتابات إباحية وجنسية تأثر لها بعض الشعراء والكتاب وهي مرحلة مضطربة معروفة - استطاع الفكر الإسلامي والأدب العربي أن يخرج منها ويعود إلى أصالته. ومن هنا فليست هذه النصوص مما تؤخذ على الأدب العربي وهذه المرحلة قد حفلت أيضًا بالفكر الفلسفي والفكر الصوفي الفلسفي الذي أثار نظريات وحدة الوجود والحلول والتناسخ وما يتصل بها من نظريات العقول العشرة والفيض والنرفانا وغيرها وهذه كلها نظريات واجهها الفكر الإسلامي وكشف عن زيفها وكتب عنها أئمة أعلام: كالشافعي وأحمد بن حنبل والغزالي، وكان قمة من وصل إلى الغاية في هذا الإمام ابن تَيْمِيَّة.
ومن هنا فإن الشباب المسلم يجب أن يكون على وعي بهذه المرحلة من تاريخ الفكر الإسلامي التي تأثرت بترجمات الفكر اليوناني والفارسي والهندي، وما أثاره من قضايا وما جرت من محاولات الفلاسفة للربط بين الإسلام وهذا الفكر وما بلغوا من فشل في هذا المجال، وما دحض به مفكروا الإسلام أخطاء الفكر اليوناني وفساد وجهته.