الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله - صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين - أما بعد:-
فقد ظهرت بادرة خطيرة في زماننا هذا من تسلط الكافرين على المسلمين ومحاولتهم طمس هوية المسلمين وتغيير دينهم؛ حتى ظهر بعض النسوة من أبناء جلدتنا يتكلمن بلغتنا وينسبن أنفسهن إلى ديننا ممن يُردن مساواتهن بالرجال في كل صغيرة وكبيرة بما في ذلك الإمامة في الصلاة، فتقدمت إحداهن - في بلاد أمريكا - لتؤذِّن للناس بالصلاة، وتقدمت أخرى للصلاة بهم؛ فلما أُنكِر عليهن، قلن: إن هذا الفعل بهذه الطريقة جائز شرعًا، وأن هذا من ديننا وليس محرمًا، فأحببت أن أبحث هذه المسالة لبيان الحق فيها، وحتى لا يكون هؤلاء وأمثالهم مرجعًا لبيان الأحكام؛ وإنما يتبين الحكم ببيان أهل العلم، والله يقول:? فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ? [النحل:43] ، ولسنا في حاجة لأمريكا ولا لأذنابهم لمعرفة أحكام ديننا؛ فأقول مستعينًا بالله رب العالمين، وهو حسبي ونعم الوكيل:-
إن فقهاء المذاهب الإسلامية المشهورة المتبوعة في سائر بلاد المسلمين قد نصوا على حرمة أن تؤم النساءُ الرجالَ، وعلى بطلان صلاة الرجال الذين يأتمون بالنساء، وإليك أقوالهم:
فأما الحنفية، فقد ذكر السرخسي في المبسوط أن مذهبهم في هذه المسألة هو: أن المرأة لا تصلح لإمامة الرجال (1) ، وذكر في فقه العبادات أن الذكورة المحققة شرط من شروط صحة صلاة الجماعة،قال: (فخرج بذلك الخنثى - لأن ذكورتها غير محققة - والمرأة. فلا تصح إمامة النساء للرجال مطلقًا لا في فرض ولا في نفل) (2) .
وأما المالكية، فقد ذكر ابن رشد الحفيد في بداية المجتهد أن مذهبهم كمذهب الشافعية والحنابلة والحنفية والمالكية وهو أنه لا يجوز أن تؤم المرأةُ الرجالَ (3) ، ونص في الفواكه الدواني على بطلان صلاة الرجل خلفه (4) .
وأما الشافعية، فقال القفال الشاشي: (ولا تصح إمامة المرأة للرجال) (5) ، ونقل النووي اتفاق الشافعية على ذلك (6) ، وسواء في منع ذلك عندهم إمامة المرأة للرجال في صلاة الفرض أو التراويح أو سائر النوافل، قالوا: فإن صلى خلفها ولم يعلم ثم علم لزمه الإعادة - بلا خلاف - لأن عليها أمارة تدل على أنها امرأة، فلم يعذر في صلاته خلفها (7) .
وأما الحنابلة، فقد قال ابن قدامة: (لا يصح أن يأتم رجل بامرأة في الصحيح من المذهب وهو قول عامتهم، قال البيهقي: وعليه الفقهاء السبعة والتابعون) (8) ، وقال المرداوي: (ولا تصح إمامة المرأة للرجل هذا المذهب مطلقًا) (9) ، وعلى هذا يجب على من صلى خلفها من الرجال الإعادة. وعن أحمد رواية أخرى وهي: صحة إمامتها في النفل، وعنه: تصح في التراويح نص عليه وهو الأشهر عند المتقدمين (10) من أصحابه، وقيل: إنما يجوز إمامتها في القراءة خاصة دون بقية الصلاة (11) . وخصّ بعض الحنابلة الجواز: بذي الرحم، وخصه بعضهم: بكونها عجوزًا، وخصه آخرون: بأن تكون أقرأ من الرجال (12) ، ومن قال بالصحة منهم قال: تقف خلفهم ويقتدون بها في جميع أفعال الصلاة؛ لأنه أستر لها ويقتدون بها (13) .
وأما الزيدية، فقد نص في الأزهار على بطلان الصلاة، قال في سياق ذكره لعدم المشروعات في الصلاة: (وامرأة برجل أو العكس إلا مع رجل) (14) ، قال في التاج المذهب: (والحال الرابع: أن تصلي امرأة برجل فإن ذلك لا يصح سواء كان الرجل محرمًا لها أم لا) (15) . وهذا ما ذكره الشوكاني في السيل الجرار (16) ، ونسبه في نيل الأوطار إلى العترة (17) .
وأما الظاهرية، فقال ابن حزم: (ولا يجوز أن تؤم المرأة الرجلَ ولا الرجال وهذا ما لا خلاف فيه، وأيضًا؛ فإن النص قد جاء بأن المرأة تقطع صلاة الرجل إذا فاتت أمامه) (18) .
والقول بالحرمة وعدم صحة الصلاة هو ما درجت عليه اللجنة الدائمة في فتاواها (19) .
إلا أن شيخنا العلامة: عبد الكريم زيدان - حفظه الله - في كتابه المفصل في أحكام المرأة ذهب إلى رأي مخالف حيث قال: (والراجح جواز أن تؤم المرأة الرجل مع أهل بيتها في دارها إذا كانت المرأة هي الأولى بالإمامة من الرجل لكونها أقرأ وأفقه فقد روى أبو داود في سننه حديث أم ورقة برواية جاء فيها"وكانت - أم ورقة - قد قرأت القرآن فاستأذنت النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تتخذ في دارها مؤذنًا.."وكان مؤذنها شيخًا كبيرًا كما جاء في الحديث الذي ذكرناه في الفقرة السابقة، وهذا يدل على عدم قدرته على الإمامة وأن أم ورقة كانت أقدر منه وأكفأ في الإمامة. أما إمامة المرأة للرجل أو للرجال في المسجد فلا يجوز إتباعًا لمذهب الجمهور، والذي يؤيده أنه لم ينقل إلينا ولو لمرة واحدة، أن المرأة صارت إمامًا في الصلاة لجماعة الرجال لا في عهد الصحابة ولا في عهد من جاء بعدهم من التابعين) (20) .
أدلة الجمهور على المنع:
وإنما اتفق الجمهور على منعها أن تؤم الرجال لأدلة منها: