فهرس الكتاب

الصفحة 11661 من 27345

د. مسفر بن علي القحطاني* 2/3/1425

إن نعم الله - عزوجل - على الخلق كثيرة لا تعد ولا تحصى، كما قال الله تعالى: (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) [ابراهيم:34] . وأعظم النعم بعد الإيمان العافية والأمن ، فالأمن أصل تقوم عليه الحياة الإنسانية بجميع مجالاتها واختلاف أنشطتها ، ولهذا امتن الله - عزوجل - على بعض خلقه بنعمة الأمن وذكّرهم بهذه المنة ليشكروه عليها ويعبدوه في ظلالها في قوله تعالى: (أولم نمكن لهم حرمًا ءامنًا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقًا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون) [القصص57:] وجاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مايؤكد حاجة الإنسان للأمن في قوله:"من أصبح منكم آمنًا في سربه، معافىً في جسده، عنده قوت يومه؛ فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها"رواه الترمذي وقال: حديث حسن .

وأمن المجتمعات من أعظم مقاصد الشريعة، ومن أهم واجبات إمام المسلمين ؛ إذ الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا به، ولولا الولاة لكان الناس فوضى مهملين وهمجًا مضيعين.. (1)

يقول الطاهر بن عاشور - رحمه الله - في بيان الترابط بين الأمن في المجتمع وكونه مقصدًا من مقاصد الشرع الحكيم:"إذا نحن استقرينا موارد الشريعة الإسلامية الدالة على مقاصدها من التشريع؛ استبان لنا من كليات دلائلها ومن جزئياتها المستقرأة أن المقصد العام من التشريع فيها هو حفظ نظام الأمة، واستدامة صلاحه بصلاح المهيمن عليه وهو نوع الإنسان ..". (2)

ولهذا فالإخلال بالأمن ، وزعزعة الاستقرار، وإرهاب المسلمين والمستأمنين، إنما هو إفساد في الأرض، وإجرام في حق الخلق يناقض مقصد التشريع العام .

و في هذا المقال نتحدث عن مكامن الخطأ الفقهي في مثل هذه المناهج وأثره على زعزعة الاستقرار والأمن من خلال النقاط التالية:

1-إن النظر الجزئي لنصوص الشريعة بعيدًا عن مقاصدها الكلية ، أو الاستدلال الناقص لبعض الأدلة الأصولية دون مراعاة التوابع والعوارض المؤثرة على تنزيل الحكم على الوقائع؛ قد يثمر شططًا عن الوصول للحكم الصحيح وبعدًا عن الظفر بالحق المطلوب .

وقد اتفق الأصوليون على ذم التعجل بالقول بالحكم المستنبط من الادلة قبل البحث عن كل ما يمكن أن يكون له أثر على سير الدليل نحو إثبات حكم ما ؛ من معرفة العوارض المؤثرة على دليل الحكم كالنسخ والتخصيص والتقييد وغيرها . فلا يجوز التمسك بدليل من أدلة الشرع وبناء الأحكام عليه من جهة الاستقلال دون جمع الأدلة الأخرى المتعلقة به والمؤثرة عليه ، أو أن ينظر إليه بمعزل عن عوارض الألفاظ التي تؤثر على فهم المعنى المراد لذات الدليل أو بمعزل عن مقاصد الشريعة الكلية .. (3)

والمتأمل لحال من جعل السيف منهجه في التغيير وألزم الأمة بهذا الاتجاه ؛ قد لا يختلف حاله عن حال كثير من أهل البدع الذين خالفوا أهل السنة في كثير من أبواب الاعتقاد بناءً على قصورهم الفقهي والاجتهادي في جمع أطراف المسألة وإحكام جوانبها الأخرى .

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -:"وأكثر ما يكون ذلك لوقوع المنازعة في الشيء القليل قبل إحكامه وجمع حواشيه وأطرافه".. (4)

ويقول الإمام الشاطبي - رحمه الله - مؤكدًا هذا المعنى:"فكثيرًا ما نرى جهالًا يحتجون لأنفسهم بأدلة فاسدة، وبأدلة صحيحة اقتصارًا بالنظر على دليل ما، وإطراحًا للنظر في غيره من الأدلة الأصولية والفرعية العاضدة لنظره أو المعارضة له، وكثير ممن يدعي العلم يتخذ هذا الطريق مسلكًا".. (5)

ولا يخفى الأثر السيئ لانحراف هذه الفرق عن منهج أهل السنة والجماعة، وما أحدثته من فتن وقلاقل وتفريق بين المسلمين .

2-هناك قضايا فقهية يجب إثارتها في موضوع الجهاد ؛ إذ قد يفهم أن بروز الكفار للمسلمين في القتال هو وحده الموجب للجهاد ، وهذا نوع انغلاق في فقه المسألة؛ فالجهاد مقيد وجوبه بتحقق الظفر أو النكاية بالعدو ، وقد نص كثير من الفقهاء على تحريم القتال في صور منها:

-أن يغلب على الظن غلبة العدو على المسلمين .

-وأن يتخذ العدو من المسلمين تروسًا له يحمي بها نفسه .. (6)

يقول ابن جزي - رحمه الله -:"وإن علم المسلمون أنهم مقتولون فالانصراف أولى ، وإن علموا مع ذلك أنه لا تأثير لهم في نكاية العدو وجب الفرار. وقال أبو المعالي: لاخلاف في ذلك".. (7)

يقول الشوكاني - رحمه الله -:"إذا علموا (أي المسلمون ) بالقرائن القوية أن الكفار غالبون لهم مستظهرون عليهم؛ فعليهم أن يتنكبوا عن قتالهم ويستكثروا من المجاهدين ويستصرخوا أهل الإسلام . وقد أُستدل على ذلك بقوله تعالى:"ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة" (البقرة195) وهي تقتضي ذلك بعموم لفظها؛ وإن كان السبب خاصًا. ومعلوم أن من أقدم وهو يرى أنه مقتول أو مأسور أو مغلوب فقد ألقى بيده في التهلكة".. (8)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت