أ.د/محمد أديب الصالح
رئيس تحرير مجلة حضارة الإسلام
قدم أبو جعفر المنصور مكة -شرفها الله- حاجًا. فكان يخرج من دار الندوة إلى الطواف في آخر الليل يطوف ويصلي ولا يُعلم به، فإذا طلع الفجر رجع إلى دار الندوة وجاء المؤذنون فسلموا عليه وأقيمت الصلاة فيصلي بالناس.
خرج ذات ليلة حين أسحر، فبينما هو يطوف إذ سمع رجلًا عند الملتزم يقول:
اللهم إني أشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض، وما يحول بين الحق وأهله من الطمع والظلم.
فأسرع المنصور في مشيه حتى ملأ مسامعه من قوله، ثم خرج فجلس ناحية المسجد وأرسل إليه فدعاه فأتاه الرسول وقال له:
-أجب أمير المؤمنين.
فصلى ركعتين واستلم الركن وأقبل مع الرسول فسلم عليه.
فقال له المنصور: ما هذا الذي سمعتك تقوله من ظهور البغي والفساد في الأرض وما يحول بين الحق وأهله من الطمع والظلم؟! فو الله لقد حشوت مسامعي ما أمرضني وأقلقني.
فقال: يا أمير المؤمنين. إن أمنتني على نفسي أنبأتك بالأمور من أصولها، وإلا اقتصرتُ على نفسي ففيها لي شغل شاغل.
فقال له: أنت آمن على نفسك.
قال: الرجل الذي دخله الطمع حتى حال بينه وبين الحق وإصلاح ما ظهر من البغي والفساد في الأرض: أنت.
فقال المنصور: ويحك وكيف يدخلني الطمع والصفراء والبيضاء في يدي والحلو والحامض في قبضتي؟؟
قال الرجل: وهل دخل أحدًا من الطمع ما دخلك يا أمير المؤمنين!!!
إن الله استرعاك أمور المسلمين وأموالهم فأغفلتَ أمورهم، واهتممتَ بجمع أموالهم، وجعلتَ بينك وبينهم حجابًا من الجص والآجرّ، وأبوابًا من الحديد، وحجبة معهم السلاح.
ثم سجنتَ نفسك، وبعثتَ عمالك في جمع الأموال وجبايتها، واتخذت وزراء وأعوانًا ظلمة، إن نسيت لم يذكّروك، وإن ذكرتَ لم يعينوك، وقويتهم على ظلم الناس بالأموال والكراع والسلاح، وأمرت أن لا يدخل عليك من الناس إلا فلان وفلان، نفرٌ سمَّيْتَهم.
-ولم تأمر بإيصال المظلوم ولا الملهوف ولا الجائع ولا العاري ولا الضعيف ولا الفقير ولا أحد إلا وله في هذا المال حق.
فلما رآك -هؤلاء النفر الذين استخلصتهم لنفسك، وآثرتهم على رعيتك، وأمرتَ أن لا يُحجبوا عنك -تجبي الأموال ولا تقسمها قالوا:
هذا قد خان الله فما لنا لا نخونه وقد سخر لنا؟؟
فائتمروا على أن لا يصل إليك من علم أخبار الناس شيء إلا ما أرادوا فلما انتشر ذلك عنك وعنهم أعظمهم الناس وهابوهم وكان أول من صانعهم عمالك بالهدايا والأموال لينفقوا بها على ظلم رعيتك.
ثم فعل ذلك ذوو القدرة والثروة من رعيتك لينالوا ظلم من دونهم من الرعية فامتلأت بلاد الله في الطمع بغيًا وفسادًا، وصار هؤلاء القوم شركاءك في ظلمك وأنت غافل.
فإن جاء متظلم حيل بينه وبين الدخول إليك، وإن أراد رفع صوته أو قصته إليك عند ظهورك، وجدك قد نهيت عن ذلك ووقفت للناس رجلًا ينظر في مظالمهم.
فإن جاء ذلك الرجل فبلغ بطانتك سألوا صاحب المظالم أن لا يرفع مظلمته إليك، وإن كان للمتظلم به حرمة وإجابة لم يمكنه مما يريد خوفًا منهم فلا يزال المظلوم يختلف إليه ويلوذ به ويشكو ويستغيث وهو يدفعه ويقتل عليه. فإذا جهد وأخرج وظهرتَ صرخ بين يديك، فيضرب ضربًا مبرحًا فما بقاء الإسلام على هذا؟؟
"بعد هذا التحليل العميق الرهيب. بدا المنصور كأنما غاب عن وعيه وفقد صبره. فقال للرجل في ضراعة:"
كيف احتيالي فيما خولت فيه ولم أر من الناس إلا خائنًا؟
قال الرجل: يا أمير المؤمنين عليك بالأئمة الأعلام المرشدين.
سأل المنصور: ومن هم؟؟
الرجل: العلماء العاملون. علماء الآخرة لا علماء الدنيا.
قال المنصور: قد فروا مني.
قال الرجل: هربوا منك مخافة أن تحملهم على ما ظهر من طريقتك من قبل عمالك ولكن فتّح الأبواب، وسهل الحجاب وانتصر للمظلوم من الظالم، وامنع المظالم وأنا ضامن على أن من هرب منك سيأتيك، فيعاونك على صلاح أمرك ورعيتك"."
وبلغ التأثر بالمنصور حدًا لم يتمالك به نفسه. فراح يبكي وينتحب حتى ارتفع صوته. ورفع يديه إلى السماء يجأر بالدعاء إلى الله ضارعًا قائلًا:
يا ليتني لم أخلق ولم أك شيئًا. اللهم وفقني أن عمل بما قال هذا الرجل.
بينما مضى الرجل مختفيًا دون أن يعلم به أحد.
* مجلة حضارة الإسلام -السنة 12 -العدد 7-8 -رمضان/شوال 1391 -كانون الثاني 1972م.