يوم الأهوال... فاللهم سلم ...سلم
أخيتي الغالية، بعد أن عشنا سويا مع القبر وسكرته ، والقبر وظلمته، نعيش اليوم مع يوم لا مفر منه... يوم لا ينفع فيه إلا العمل الصالح ... ولا يفوز فيه إلى من أتى الله بقلب سليم... يوم يتخلى عنكِ فيه الجميع حتى والداك رغم حبهما الجم لكِ، وزوجك وأولادك، فالجميع يعلو منهم كلمة واحدة: [ نفسي ... نفسي ] .
يوم القيامة يا له من يوم:
إنه اليوم الذي يقبض فيه الحقُّ جل وعلا الأرض بيده، ويطوي السماوات بيمينه، كما قال تبارك وتعالى:
[[ يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ] ] [الأنبياء:104] .
إنه اليوم الذي تتفجر فيه البحار، وتشتعل نارًا، [[وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ] ] [الانفطار:3]
إنه اليوم الذي تُنسَف فيه الجبال الراسيات، لتصبح كثيبًا مهيلًا ككُثبان الرمل، بعد أن كانت حجارةً صماء:
[[يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيباً مَّهِيلاً] ] [المزمل:14]
[[وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً [105] فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً [106] لَا تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلَا أَمْتاً [107] ]] [طه:105-107] .
إنه اليوم الذي تصبح فيه هذه السماء الجميلة المزينة بالكواكب واهية ضعيفة: [[وَانشَقَّتِ السَّمَاء فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ] ] [الحاقة:16] .
و الشمس التي جعلها الله سببًا من أسباب الحياة؛ فإنها تُجمع وتُكوَّر ويذهب ضوؤها [ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ] ] [التكوير:1] .
والقمر الذي نراه في أبهى وأجمل صورة ؛ فإنه يخسف ويذهب ضوؤه، قال تعالى: [[فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ [7] وَخَسَفَ الْقَمَرُ ]] [القيامة:7-8]
وهذه النجوم، وتلك الكواكب التي تُزين السماء؛ فإنها تنكدر وتتناثر: [[وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ ] [التكوير:2] .
وها هو النبي صلى الله عليه وسلم الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر يشيب رأسه من سماع هذه الأهوال، فتجد الصديق رضي الله عنه يقول له: أراك قد شِبت يا رسول الله قال: [[ شيبتني هود، والواقعة، والمرسلات، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت ] ]. صححه الألباني في صحيح الجامع.
فيا أيتها الأخت الغالية، ما غرك بربك الكريم، حيث أغلقت الأبواب وأرخيت الستور، واستترتِ عن الخلائق، وقد رآك على معاصيك الخالق، فماذا تفعلين وقد شهدت عليك جوارحكِ وأعضاؤكِ؟ فما أعظم غفلة الغافلين.
قال تعالى: [[اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ [1] مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ [2] لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ]] [الأنبياء:1-3]
مثل لنفسك أيها المغرور يوم القيامة والسماء تمور
عرق يفضح المفرطين:
قال صلى الله عليه وسلم: [[ تدنو الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل ] ]، قال سليم بن عامر: والله ما أدرى ما يعنى بالميل: مسافة الأرض؟ أو الميل التي تكحل به العين؟!
قال صلى الله عليه وسلم: [[ فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى رُكبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يُلجِمُه العرق إلجامًا ] ] وأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده إلى فِيه. صححه الألباني في صحيح الترهيب والترغيب.
فكل إنسان يعرق على قدر معاصيه، فكلما حسن عمله؛ كان عرقه أقل، وكلما زادت قبائحه؛ فإن كثرة عرقه تفضحه عياذًا بالله.
سحقًا لمن بدل بعدي:
ويُكرم الله النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الموقف العظيم بكرامة خاصة؛ فيعطيه حوضًا واسع الأرجاء، ماؤه أبيض من اللبن، وأحلى من العسل، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، يأتي هذا الماء الطيب من نهر الكوثر، الذي أعطاه الله لرسوله صلى الله عليه وسلم في الجنة، تَرِدُ عليه أمَّته؛ فيسقيهم صلى الله عليه وسلم منه بيده الشريفة شربةً، من شَرِبها لا يظمأ بعدها أبدًا.
ولكن كيف يعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أمَّته في يوم الحشر، الذي تجتمع فيه كل الخلائق، منذ أن خلق الله الخلق إلى يوم القيامة؟ قال صلى الله عليه وسلم: [[ نعم، لكم سيما ليست لأحدٍ من الأمم، تَرِدُون عليَّ غُرَّاً محجَّلين، من أثر الوضوء ] ]. رواه مسلم.
فمن استقام في حياته على أداء الصلاة؛ فإنه يأتي يوم القيامة بعلامةٍ بيضاء تكون في شعره، ويديه، ورجليه، من آثار الوضوء، استعدادًا للوقوف بين يدي الله جل وعلا.
ولكن بعض المصلين الذين يعرفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه العلامة تمنعُهم الملائكة من الحوض، فيا ترى ما السر؟