في حوار مع الدكتور عماد الدين خليل
حاوره: هيثم الأشقر
الأستاذ الدكتور عماد الدين خليل من أهم المشتغلين بالتاريخ ، وكان قد ألف كتاب (التفسير الإسلامي للتاريخ) اعتمد فيه على النص القرآني الذي يصفه بأنه مدهش فيما ينطوي عليه من شبكة غنية لقوانين الحركة التاريخية ، واليوم يعد لتأليف كتاب (دليل التاريخ والحضارة في الأحاديث النبوية الشريفة) ليكمل به ما بدأه في كتاب (التفسير الإسلامي للتاريخ) .
ومن خلال معرفتي الشخصية بالأستاذ الدكتور عماد الدين خليل أستطيع أن أقول: إنه من أفضل من يوظف التاريخ لخدمة اللحظة ، بل إنه من أحسن من أفتى بفقه اللحظة ، وذلك لما يتمتع به من موهبة الفهم والقدرة على استحضار التاريخ والدليل الشرعي.
وإذا كانت الأمة اليوم تعيش كل هذا الضياع فلأنها لم تستفد من أمثال أستاذنا الكبير الدكتور عماد الدين خليل ، ولأننا لا نملك أدوات صناعة التاريخ ، ومنها صناعة تاريخنا القديم إعلاميًا بحيث نعمم الفهم والإحساس العام بآلام الأمة وأهدافها الضرورية ، ذلك أنها ما زالت حكرًا على أبناء صهيون.
وإلى أن نتمكن من امتلاك زمام المبادرة الحضارية ندعو الله أن يمد في عمر الأستاذ الدكتور عماد الدين خليل وأن يبارك في عمله وصحته إنه سميع مجيب ، والآن أترككم مع إجابات سعادته على أسئلة المنار.
هل هناك إمكانية لمحاكمة التاريخ بدلًا من التحاكم إليه في ظل التناقض الروائي للتاريخ ، أو التوظيف السياسي له ؟
هذا وذاك ، فيمكن أن نحاكم التاريخ ، وهذا لا يتناقض مع فكرة أن نتحاكم إليه ، والتاريخ ينطوي على الصحيح وغير الصحيح ، على المرويات التي ثبتت صحتها وعلى حشود من المرويات لا تزال موضع أخذ ورد ، ولسنا نحن الذين سندخل على الخط ونحاكم التاريخ ، فقد كان أجدادنا نقادًا للتاريخ ، وهم تجاوزوا مرحلة الاستسلام للمرويات التاريخية ، وأعملوا مشرط النقد في المرويات ، ونتذكر هنا ابن خلدون في مقدمته والمسعودي وابن الأثير وابن العربي ، فهؤلاء دعوا إلى عدم الاستسلام لهذا الموروث ، إذن فهم حاكموا التاريخ.
ولكن محاكمة التاريخ يجب ألا تذهب بنا إلى المدى الأقصى الذي يجعلنا نتخذ موقفًا يكاد يكون عدميًا لإلغاء كل الموروث التاريخي بحجة أنه كان وقرًا على ظهورنا فالتاريخ الإسلامي في بداياته الأولى هو الابن الشرعي لمدرسة الحديث ، وقد انطلق وهو يحمل أداتين للنقد ، النقد الخارجي بتثبيت سلاسل الإسناد التي قدمت المرويات لطبقة المؤرخين عبر مجموعة الإخباريين كما هو معروف عند دارسي التاريخ ، وهناك أيضًا النقد الداخلي الذي دعا إليه المؤرخون ، فمقدمة الطبري بما تنطوي عليه من مرويات خاطئة وضعيفة أو غير مقبولة ، يقول الطبري بخصوصها: إنه قدم للقارئ ما قد يقبل وما لا يقبل ، وأنه أداها على نحو ما أديت إليه والعهدة على الراوي ، فالرواة وضعوا بأمانة قبيل كل مروية أو رواية من أجل أن نمسك بطرف من أطراف النقد الذي يقودنا إلى مصداقية الرواية أو عدم مصداقيتها جنبًا إلى جنب مع النقد الداخلي ، بمعنى أن نحيل الرواية إلى طبيعة العصر أو نبض العصر ، فهل ترتطم مع نبض العصر ، وبالتالي تخرج من دائرة القناعة ، أم أنها تعكس حالة ممكنة في تساوقها مع نبض العصر ومعطياته الأساسية ؟
على سبيل المثال: لا يمكن أن نقبل بأية حال من الأحوال فكرة أن هناك صراعًا على السلطة فيما حدثنا به أبو مخنف لوط بن يحيى عبر كم كبير من مرويات الطبري ، فيما ينتاقض مع الواقع التاريخي وطبيعة العصر الذي أنشأ دولة كبرى وأسس حضارة كبيرة ومضى فيها الخلفاء الراشدون ويعملون جنبًا إلى جنب في تثبيت الدولة وتعميق معطيات الحضارة ، فلا يمكن أن نقبل مرويات تقول إن هناك صراعًا قاسيًا غير أخلاقي على السلطة ، وقد تسلمها بعض المستشرقين المعاصرين كـ (ماسيه وكارل بروكلمان والأب اليسوعي لأمانس) وألفوا كتابًا سموه ( الحكومة الثلاثية) كادوا أن يصورا فيه أن هناك صراعًا وفق طريقة كرة القدم (خذ وهات) بين أبي عبيدة بن الجراح وأبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب على أن يتداولوا السلطة بعيدًا عن أصحابها الشرعيين ، فهذا لا يمكن أن نقبله ، لأن التاريخ يؤكد لنا أنه لا يمكن لقادة بهذه الصفات أن يصنعوا دولة عظمى تبني حضارة وتمضي قدمًا في مجابهة تحديات كبيرة كان يمثلها الفرس والروم ، فنحن نحيل المرويات التاريخية على طبيعة العصر ونبضه من أجل أن نقبلها أو لا نقبلها جنبًا إلى جنب مع النقد الخارجي الذي يمثل أداة لا تملكها أمة من الأمم بهذا القدر من الاستقصاء وصولًا إلى الراوي الذي شهد الحدث ، وبالتالي تعطينا الفرصة الجيدة لنخل المرويات التاريخية وعدم الاستسلام لها.