فهرس الكتاب

الصفحة 22742 من 27345

في كتابكم (التفسير الإسلامي للتاريخ) أغفلتم دور السنة النبوية في ذلك واكتفيتم بالتفسير الإسلامي من القرآن فقط ، ولعل هذا من الانتقادات التي وجهها إليكم المؤرخ عبدالحليم عويس في كتابه (فقه التاريخ) فما أسباب إغفال دور السنة النبوية ؟

هذا صحيح ، وقد كانت تلك المحاولة الجزء الأول الذي أريد أن يتعامل مع النص القرآني ، لأن النص القرآني مدهش فيما ينطوي عليه من شبكة غنية لقوانين الحركة التاريخية ، أو فيما يسمى بالمصطلح الإسلامي (سنن الإله العاملة في التاريخ) فهي شبكة مدهشة لم تكتشف - للأسف الشديد - من قبل المفسرين القدماء، لأن الوعي التاريخي والوعي الحضاري لدى التفسير القديم كان ضعيفًا يومذاك ، أما الآن فقد أصدرت الجامعات في البلاد العربية والإسلامية حوالي عشر رسائل ماجستير ودكتوراه تبحث فيما قدمه القرآن الكريم في هذا السياق ، سياق قوانين الحركة التاريخية أو سنن الإله العاملة في التاريخ ، ويومذاك لم يكن قد صدر بعد كتاب أو محاولة جادة فقلت في نفسي: أقف في الجهد الأول عند ما قدمه النص القرآني في تفسيره للتاريخ ، وهو عطاء خصب يكاد لا يترك صغيرة ولا كبيرة في قضية نشوء الأمم والجماعات والحضارات وانهيارها إلا وسلط عليها الإضاءة الإلهية المحكمة التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها. فقد تحدث في سياقات ثلاث: نشوء الحضارات ، نمو الحضارات ، أفول الحضارات ، وتابعت هذا في النص القرآني ، ثم قمت استكمالًا للجانب الآخر - الذي اعترض الآخرون عليه - بإنجاز مؤلف جديد سيصدر قريبًا إن شاء الله عن المعهد العالمي للفكر الإسلامي بمعية أخ مهندس يمتلك قدرتين (في مجال الحديث وفي مجال توظيف آليات الكمبيوتر في هذا الشأن) وفي الكتاب استقصاء لكل الأحاديث الصحيحة التي تنطوي على بعد تاريخي أو حضاري فيما سيسمى (دليل التاريخ والحضارة في الأحاديث النبوية الشريفة) مع دراسة في الكتاب تبين أن الرسول صلى الله عليه وسلم قدم في مجال الفكر التاريخي والظاهرة الحضارية الشيء الكثير ، وذلك في سياقات خمسة ، وقد صنفت هذه الأحاديث الخاصة بالتاريخ والحضارة إلى خمسة سياقات.

السياق الأول: ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم عن التاريخ الذي سبق عصر الرسالة ، وهو يخص صراع الحق مع الباطل ، والتوحيد مع الشرك.

السياق الثاني: يتناول ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم عن وقائع عصر الرسالة.

السياق الثالث: المستقبليات ، وتضمنت الملاحم والفتن وأشراط الساعة الصغرى والكبرى ، وقضية المهدي الذي سيخرج لكي يملأ الأرض عدلًا بعدما ملئت جورًا.

والسياقان الأخيران (وهما باعتقادي أكثر أهمية من الفصول الأولى) حول ما قدمه الرسول صلى الله عليه وسلم من شبكة خصبة في سياق شروط نهوض الأمم والجماعات والحضارات ، ثم السياق الأخير عن عوامل الأفول والتدهور والانهيار.

فهذا الكتاب سيكون متممًا للكتاب الأول ، وستكون الرؤية متوازنة بين النص القرآني والحديث النبوي.

في كتابكم الرائع: ( التأصيل الإسلامي للتاريخ) ذكرتم أربعة عشر ضابطًا ومعيارًا في منهج كتابة التاريخ ، ما السبيل لإخراج هذا المنهج في الواقع الملموس ؟

لقد قلت في الكاتب نفسه: إن هذا العمل تنوء به العصبة أولو القوة ، فلا يستطيع أفراد القيام بهذا العمل ، فهو يحتاج إلى جهد مؤسسي ، وقد حاولت مؤسسات عديدة وعلى مستوى الجامعات والمعاهد العلمية أن تمضي خطوات باتجاه ما أسمته بإعادة كتابة التاريخ الإسلامي أو العربي ، ولكن ما إن قطعت خطوات في الطريق ، حتى توقفت كتلك المحاولة التي قامت بها جامعة الكويت في وقت ما ، أو كتلك المحاولة التي قام بها مجموعة من الإسلاميين في مصر كان من بينهم الشهيد سيد قطب رحمه الله ، وصادق إبراهيم عرجون الذي قدم أعمالًا رائعة في نقد الرواية التاريخية في كتابيه (خالد بن الوليد) و (عثمان بن عفان المفترى عليه) ولكن هذه المحاولات الأهلية والرسمية قطعت خطوات وباءت بالفشل ، والسبب أن هذا العمل يتطلب - فضلًا عن التغطية المالية الكبيرة جدًا - كادرًا أو مجموعة كبيرة من المتخصصين في التاريخ الإسلامي في كل تخصصاته الدقيقة (سيرة ، راشدي ، أموي ، عباسي أول ، عباسي متأخر ، مملوكي ، عثماني) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت