لله الحمدُ على الحمد له د. محمد عمر دولة*
مَن تأمَّلَ حالَ أهلِ الجنةِ وقولَهم: (الحمدُ لله الذي أذْهَبَ عنَّا الحزَنَ إنَّ ربَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ الذي أحَلَّنا دارَ المقامَةِ مِن فَضلِه) ؛ عَلِمَ فِقهَ الشاكِرِين الذين يُدْرِكُون فَضْلَ الله عزَّ وجلَّ عليهم في تَحْصِيلِهم خيرَ الدنيا والآخرة، قال ابن كثير رحمه الله:"قال ابن عباس رضي الله عنهما وغيره: غَفرَ لهم الكثيرَ مِن السيئات، وشَكرَ لهم اليسيرَ مِن الحسناتِ (الذي أحَلَّنا دارَ المقامةِ مِن فَضلِه) يقولون: الذي أعطانا هذه المنزلة وهذا المقام مِن فَضلِه ومَنِّه ورحمتِه لم تكن أعمالُنا تساوي ذلك، كما ثَبَتَ في الصحيحِ أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: (لن يُدْخِلَ أحدًا منكم عَملُه الجنةَ. قالوا: ولا أنتَ يا رسولَ الله؟ قال: ولا أنا؛ إلا أنْ يَتغَمَّدنِيَ الله تعالى برحمةٍ منه وفَضل) [1] ". [2]
فالعبدُ الصالِحُ يَعمَلُ ويَعلَمُ أنَّ عَمَلَه مِن فَضلِ الله عليه؛ فلا يغترُّ بعملِه، وينظر إلى ما وَرَدَ مِن نسبةِ دُخُولِ الجنةِ إلى أعمالِ العبادِ على أنها من ثناءِ اللهِ على عِبادِه وامتنانِه عليهم، وإلا فالفَضلُ فَضْلُهُ والحمدُ له على مِنَّتِه ورَحْمَتِه؛ فما يَنبغِي لأحَدٍ أن يَغتَرَّ إذا قرأ قولَ الله عزَّ وجَلَّ لأهلِ الجنة: (وتلك الجنةُ التي أُورِثْتُمُوها بما كُنتم تعمَلُون) ، [3] وقولَه جلَّ جلالُه: (ونُودُوا أنْ تلكم الجنةُ أُورِثْتُمُوها بما كُنتم تعمَلُون) ؛ [4] فيتوهَّمُ أنَّ العِبادَ قد استَحَقُّوا الجنةَ بِمُجرَّدِ أعْمالِهم! قال القرطبِي رحمه الله:"معنى (أُورِثْتُمُوها بما كُنتم تعمَلُون) : أي وَرِثْتُم مَنازِلَها بِعَمَلِكم، ودُخُولُكم إياها برحمةِ الله وفَضلِه، كما قال: (ذلك الفَضْلُ مِن الله) ، [5] وقال: (فسَيُدْخِلُه في رَحْمَةٍ منه وفَضْل) ، [6] وفي صحيح مسلم: (لن يُدْخِلَ أحدًا منكم عَملُه الجنة، قالوا: ولا أنتَ يا رسولَ الله؟ قال: ولا أنا إلا أنْ يَتَغَمَّدَنِيَ الله بِرَحْمةٍ منه وفَضْلٍ) ، وفي غيرِ الصحيح: ليس مِن كافِرٍ ولا مُؤمِنٍ إلا وله في الجنةِ والنارِ مَنْزِلٌ، فإذا دخلَ أهلُ الجنةِ الجنةَ وأهلُ النارِ النارَ رُفِعَت الجنة لأهلِ النارِ فنظروا إلى مَنازلِهم فيها فقيل لهم: هذه مَنازِلُكم لو عَمِلْتُم بطاعةِ الله، ثم يقال: يا أهلَ الجنة رِثُوهم بما كنتم تعملون؛ فتُقْسَم بين أهلِ الجنة مَنازِلَهم. قلتُ: وفي صحيح مسلم: (لا يموت رجلٌ مُسلمٌ إلا أدخلَ الله مكانَه في النارِ يهوديا أو نصرانيا) فهذا أيضا ميراث؛ نَعَّمَ بِفَضلِه من شاء، وعَذَّبَ بِعَدْلِه مَن شاء، وبالجملة فالجنةُ ومَنازِلُها لا تُنالُ إلا بِرَحْمَتِه؛ فإذا دَخَلُوها بأعْمالِهم؛ فقد وَرِثُوها بِرَحْمَتِه ودخَلُوها بِرَحْمَتِه؛ إذْ أعْمالُهم رحمةٌ منه لهم وتَفَضُّلٌ عليهم". [7]
وكذلك إذا قرأ المسلمُ قولَ الله عزَّ وجَلَّ: (كُلُوا واشرَبُوا هَنيئًا بما أسْلَفْتُم في الأيامِ الخالِية) . [8] لم يَتَبادَرْ إلى ذِهنِه إلا فَضلُ الله ورَحْمَتُه؛ وأما أعْمالُه فيَعلَمُ عُجَرَها وبُجَرَها، ويرى أنها بِضاعةٌ مُزْجاة وسِلْعةٌ كاسِدةٌ لا يُلقَى لها بالٌ ولا يُعَوَّلُ عليها بِحال! قال ابن كثير رحمه الله:"أي يقال لهم ذلك؛ تَفَضُّلا عليهم وامْتِنانًا وإنْعامًا وإحْسانًا؛ وإلا فقد ثبتَ في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: اعملوا وسَدِّدُوا وقاربوا واعلَمُوا أنَّ أحدًا مِنكم لن يُدْخِلَه عَمَلُه الجنة! قالوا: ولا أنتَ يا رسولَ الله؟ قال: ولا أنا؛ إلا أن يَتغمَّدَني الله بِرَحْمَةٍ منه وفَضْل)". [9]
وقال ابنُ كثير رحمه الله:"روى النسائي وابن مردويه واللفظ له... عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كلُّ أهلِ الجنةِ يرى مَقعدَه مِن النارِ فيقولُ: لولا أن الله هداني فيكون له شاكرًا، وكلُّ أهلِ النار يرى مَقعَدَه من الجنة فيقول: لو أنَّ الله هَداني؛ فيكون له حسرة؛ ولهذا لِما أورثوا مقاعدَ أهلِ النار مِن الجنة نُودُوا(أنْ تلكم الجنةُ أورِثْتُمُوها بِما كنتم تعمَلُون) أي بِسَبِبِ أعمالِكم نالَتْكم الرحمة؛ فدخَلْتم الجنةَ وتبوأتُم مَنازِلَكم بحسبِ أعمالِكم؛ وإنما وجَبَ الحملُ على هذا لِما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْن عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: واعْلَمُوا أنَّ أحَدَكم لن يُدْخِلَه عَملُه الجنة؛ قالوا: ولا أنتَ يا رسول الله؟ قال: ولا أنا؛ إلا أن يتغمَّدَنِيَ الله برحمةٍ منه وفَضل)". [10]
ورَحِمَ الله شمسَ الدين الذهبي؛ ما أحْسَنَ قولَه:"الله تعالى يقول: (ادخُلُوا الجنةَ بِما كنتم تعمَلُون) . [11] ولكنْ لا يُنْجِي أحَدًا عَمَلُه مِن عَذابِ الله كما صَحَّ؛ بَلَى أعْمالُنا الصالِحةُ مِن فَضْلِ اللهِ عَلَينا ومِن نِعَمِه، لا بِحَوْلٍ مِنَّا ولا قُوةٍ؛ فله الحمدُ على الحمد له!". [12]