فهرس الكتاب

الصفحة 26833 من 27345

وقفة في تاج محل

بقلم الدكتورعدنان علي رضا النحوي

رَجِّع قصيدك في الزَّمَان وغَرِّدِ

واعْبِقْ بِطيبكَ في الحّياةِ وَجَدِّدِ

مَا أَنتَ إلاَّ سَيِّدٌ مِنْ أُمَّةٍ

طَلَعَتْ عَلَى الدُّنْيا بأَعظْم سَيِّد (1)

حَمَلَتْ رِسَالَتَها إلى الدُّنياهُدىً

لِتصُدَّ كُلَّ مُكَابِرٍ مُتَمَرِّدِ

وَمَضَتْ مَعَ التَّاريخ تَرْفَعُ بالهُدى

مَجْداً و بالإِيمانِ أَشرف مَحْتِدِ

هي أُمَّةُ الإِسْلاَم ! تَنشُرُ نُورَه

وتَدُقُّ أَبْوابَ الجِنَانِ وتَفتَدي

أَ"جَهَانُ"! هَذاَ الصَّرْح كيف بَنيْتَهُ

غَرَّتْك مِنْ دُنْياكَ زَهْوَةُ سُؤددِ

فلأيِّ مَجْدٍ يا"جَهَانُُ"رَفَعْتهُ

ولأَيِّ معنىً في الحَياة ومَقْصدِ

عِشْرونَ عَاماً أو تَزِيدُ صَبَبْتها

في سَاحِه مَالاً وأَنَّةَ مُجْهَد (2)

دُنْيا تَمُرُّ كَأنَّها الظلُّ الذي

يُطوَى عَلى عَجَلٍ ، وتُفقَدُ مِنَ يَدِ

أَمَّا"الجِنَان"فَإِنَّها الحقُّ الذي

يُوفي بِكُلِّ مُطيَّبٍ و مُخَلَّدِ (3)

أصِفُ الجَمالَ وَ لَسْتُ أنْكرُ حَقَّه

وَكَأنَّه قبسٌ ووَمضَةُ فَرقَدِ

يَا"تاجُ"مِنْ أَيِّ الجِنَانِ حَمَلْتَها

هذي الغِراسَ وأيُّ ريٍّ مُرفِدِ

يَا"تاجُ"مِنَ أيِّ المعَادِنِ صُغْتَها

هذي الجَوَاهِر لُؤلُؤاً في عَسْجَدِ (4)

لمَّا رَآكَ الحُسْنُ قَالَ هُنَا خُلِقْـ

ـتُ وُهذه صُوَري و هذا مَوْلدِي

مَا كُنْتُ قبلَ اليَومِ إلاَّ شُعْلةَ المُشْتـ

ــاقِ أوْ أَمَلَ الهَوَى المتَجدِّد (5)

وأظلُّ بَعْدَ اليَومِ لَحْناً شَيِّقاً

بِفَم الزَّمَانِ و ذِكرَياتٍ للغَدِ

أَمَّا هُنَا فَأنا الذي أُجْلَى عَلى

سَاحَاتِه زَهْوَ الجَمالِ المفرَدِ

يَا لَلجدَار‍‍‍ ! يَكَادُ يَرْوِي قِصَّةً

ويُعِيدُ في أَسْماعِنا خَفْقَ اليَد (6)

نَظَمَتْ يَدُ النَّحَّاتِ فيه آيةً

مَا بَيْنَ يَاقُوتٍ وبَيْنَ زُمُرُّدِ

وتَكادُ تَلْمَحُ فِيه أطْيَافَ الهَوى

أَشْوَاقَ سَيِّدةٍ ودَمْعَةَ سَيِّد (7)

يَمْضي الزَّمَانُ يُعِيدُ في دَقَّاتِهِ

أَصْدَاءَ أَضلاَعٍ وَ خَفْقَةَ أَكْبُدِ

وَزَخَارِفٍ مَاجَتْ كَأنَّ زهُورَها

نَفَحتْ عَلَيْكَ شذاً ورَوعَةَ مَشْهَدِ

وكأنَّما الألوان بَيْنَ ورُوُدِها

أَطْيافُ رَفْرَفَةٍ و هَمْسَةُ خُرَّدِ

وكأنَّها دُنْيَا تَمُوجُ بِهَا الصَّدى

آياتُ تارِيخٍ مَضى و مُجدَّدِ

"أَجْراَ"‍! وفي جَنبيك خَفْقَةُ عَاشقٍ

ثَاوٍ وخفقةُ عاشِقٍ مُتمرِّد (8)

أُصْغي ! كأنَّ علَى رُبَاكِ خُطى الصِّبَا

ورفيفَ أَجْنِحةِ الهَوَى المتوَقَّد

وكأنَّ زَقْزَقَةَ الطُّيورِبدَوْحِهَا

نَغَمٌ أَعَادَ رُؤى الشَّبَابِ الأغْيَدِ (9)

قَبْرَانِ قَدْ جَمَعَا الهوَى في آيَةٍ

للذَّاكِرين وعِبْرةٍ للمُهْتَدي

أَغَفَتْ هُنا"مُمتَازُ"! يا مَثْوى نأَى

رَجِّع صَدى وأعِدْ بَيَانَك واشْهَدِ

وَ"جَهَانُ"في غَزَواته يَطوي المُنَى

ما بين خَفْقَةِ أَضلُع و مُهَنَّدِ (10)

غابا ! فَأينَ الشّوقُ ؟! أيْنَ نَدَاوَةٌ

رفَّتْ عَلَيْه ؟! وأَيْنَ صَفْو المورِدِ؟!

طُوِيَتْ صَحَائِفُ وانْقَضَتْ في قصَّةٍ

سَلَفَتْ على قَدَرٍ لَهَا مُتَرَصِّدِ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

· من ديوان مهرجان القصيد .

(1) ما أنت إلا سيد: هو شاه جَهان أحد ملوك دولة المغول المسلمة ، وهو الذي أمر ببناء"تاج محلّ"ليضمَّ قبرين: قبراً لزوجته التي توفّيت وكان يهيم بها حباً ، وقبراً له . وكانت أجرا عاصمة ملكه واسم زوجته"ممتاز".

(2) استغرق البناء كله (22) عاماً وعمل فيه عشرون ألف شخص .

(3) "الجنان"الدار الآخرة .

(4) على جدران المبنى وجدران القبرين رسمت أشكال زهور من قطع صغيرة من الحجار الكريمة الملونة .

(5) أي لم يكن أحد يحلم أو يتمنى حبّاً أعظم ، ولا شوقاً لشيء في الدنيا أعظم من هذا التقدير للحب .

(6) لقد رَسَّم"النحّاتُ"على جدران القبرين وبعض الجُدران الأخرى أشكالاً من الزهور الجميلة بألوان زاهية جميلة من قطع صغيرة من الأحجار الكريمة المختلفة ، كما صنع زخارف مختلفة ، كلها بيده ، يُركبها من هذه الحجارة ، مستخدماً أدواته . الخفق: ضرب الشيء بالدرّة أو الأداة .

(7) أشواق سيدة: شَوق"ممتاز"لزوجها وحبها له وهو غائب عنها في غزواته . دمعة سيد: دمعة شاه جَهَان على زوجته ممتاز التي ماتت في غيابه وهي تضع مولودهما الرابع عشر .

(8) "أجرا"عاصمة ملك شاه جهان ، وفيها تاج محل . عاشق ثاوٍ: ممتاز التي توفيت . عاشق متمرد: شاه جهان الذي كان في الحرب .

(9) الأغْيَد: الناعم .

(10) إشارة إلى الحب ( خفقة أضلع ) ، وإلى الحرب ( خفق مهنّد ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت