فهرس الكتاب

الصفحة 19520 من 27345

الكاتب: الشيخ د.علي بن عمر بادحدح

إن المقاومة كلمة قليلة الاستخدام بمعناها المتعارف عليه، وإذا أرجعنا الكلمة إلى أصلها الثلاثي (قوم) وجدنا أنه: أصل يدل على معنيين: أحدهما يدل على انتصاب وعزم (1) ، وقام يقوم قيامًا: انتصب ، والقوام: نظام الأمر وعماده وملاكه الذي يقوم به (2) ، والقوام: العدل والاعتدال (3) ، وكل هذه المعاني تدور حول الأخذ بالأمر وتحقيقه بعزم، وأدائه بعدل واعتدال، وهي معانٍ حميدة ، غير أن المقاومة بالاصطلاح الشائع قد تأخذ بشيء يسير من هذه المعاني أو تتضمنها، إلا أن مفهومها مرتبط بالمدافعة ورد الأذى ، والدفع أصل يدل على تنحية الشيء (4) ،أي إزالته لما فيه من السوء والأذى ودَفَع الشيء: نحاه وأزاله بقوة (5) .

قاومه في المصارعة وغيرها: قام له ، وهذا أقرب شيء يدل على الربط بين الأصل اللغوي والمعنى الشائع ، فالقيام استعداد للمقاومة والمدافعة وأخذ بأسبابها ، والانتصاب ثبات في وجه المعتدي وصد العدوان، والمقاومة: مفاعلة، تدل على وجود أكثر من طرف وفيها معنى المغالبة:"غالب مغالبة وغلابًا:حاول كل واحد منهما أن يغلب الآخر" (7) ، ويمكننا القول إذن أن المقاومة:"قيامٌ وانتصاب لدفع العدوان وإقامة العدل والاعتدال ومنع الجور والاعتساف".

وبعيدًا عن المعنى اللغوي و اشتقاقاته واستعمالاته ومرادفاته ؛ فإن المقاومة معنى معروف ، ودلالته قديمة في الحياة الإنسانية، والمقاومة الشريفة هي التي تدافع عن الحق في وجه الباطل، وتنافح عن العدل في سطوة الظلم، وتناصر الضعيف المهضوم، وتصاول القوي الغشوم، هذه المقاومة ذات معانٍ عظيمة ، ودلالات سامية ، ولها بالنفس والروح تعلق ، ولها في الفكر والعقل تألق، فهي مشاعر نفسية ورؤية فكرية قبل أن تكون حركة عملية أو أسبابًا مادية وهذه وقفات مع فقه المقاومة .

المقاومة فطرة وحياة

في الكائن الحي المتحرك غريزة وفطرة أصيلة تجعله يقاوم كل ما يوجه له مما يسوؤه أو يضره بطريقة تلقائية ، فاليد - على سبيل المثال - ترفع لاشعوريًا في وضع دفاعي عندما ترى أي شيء سوف يسقط على الإنسان ، فالإنسان السوي تكمن المقاومة في أعماقه فطرة مستكنة وغريزة مستقرة، حتى وإن كانت أسبابها معدومة، ألا ترى الهرة كيف تبدي مخالبها وتكشر عن أنيابها وتتنمر إذ أحدق بها الخطر.

والمقاومة من أجلِّ دلائل الحياة فلا يقاوم إلا حي متحرك نابض بالحياة حسًا ومعنى ، وأما الجماد فلا مقاومة عنده ، فالحجر تقلعه أو تقذفه لا يملك من أمره شيئا، والشجرة قد تقطعها أو تحرقها فلا تقاوم ولا تمانع، ومن فقد المقاومة فكأنما فقد الحياة، وصار هو والجماد أشباه.

المقاومة ثقة وقوة

إن المقاوم عنده ثقة بالنفس تدفعه إلى المقاومة، فلديه مقومات داعمة مبنية على إدراك لحقيقة القوة النفسية المعنوية، فالمرء قد يواجه الصعاب وهو صفر اليدين من أسباب المادة ؛لأن بين جنبيه نفسًا عظيمة أبية، وروحًا حية زكية، ويدرك العقلاء أن القوة المعنوية أعظم قدرًا وأبقى أثرًا، وأن المهزوم في أعماق نفسه لا تنفعه القوة المادية مهما عظمت لأن الحقيقة أن نفسه محتلة وأن عدوه قد حلّ في نفسه وقلبه وروعه.

المقاومة عزة وإباء

إن الذي وثق بنفسه وقوّى عزمه وضع الأساس الصحيح للمقاومة التي تأبى الذل، وتعاف الهوان، وتأنف من الخنوع، لا تجتمع المقاومة مع الذلة أبدًا، ومن يرضى الذل يفقد مقومات الوجود الإنساني لأنه يرضي أن يكون مستباحًا لكل طامع، وغرضًا لكل معتدٍ، ومستسلمًا أمام أي قوة، كرامته مهانة، وشرفه مدنس، فماذا بقي له؟ وهل حياته وحركته يستحق معها أن يوصف بأنه إنسان وإن لم تكن لديه كرامة ولا شرف؟ وحسب المقاومة أنها تحافظ على كينونة العزة والإباء ليبقى الإنسان جديرًا بإنسانيته، قادرًا على الاستعلاء على الأعداء، ولو لم يملك ما لديهم من وسائل الاعتداء.

المقاومة حق وعدل

إن الحياة الحرة والقوة المعنوية والعزة النفسية كلها تنشد العدل والإنصاف، وترفض الظلم والاعساف، والمقاومة حفاظ على الحقوق وصيانة لها، وتضحية في الذود عنها، والتخلي عن الحق، أو الرضا باستلابه دون مقاومة خلل تموت به الكرامة، أو مرض تتمكن به الخيانة، فالمقاومة تلازم بين الحق وأصحابه ومالكيه، والحقوق والملكيات لا تسقط بالتقادم، ولا تلغى بفرض الأمر الواقع، بل تبقى ما بقي في أصحاب الحقوق عرق ينبض، ونَفس يتردد، وما ضاع حق وراءه مقاوم.

المقاومة عراقة وأصالة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت