فهرس الكتاب

الصفحة 23434 من 27345

فيصل بن جعفر بالي

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا وسيدنا وقائدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

أما بعد: فإن الله تعالى برحمته وحكمته وعدله قد أمر بالعدل والإحسان وحرَّم الظلم والبغي والعدوان: كما قال سبحانه: ] إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[ ( النحل: 90 ) .

وقال الله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي: ( يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا ) رواه مسلم .

واقتضت سنته الكونية هلاك الظالمين ومحق المعتدين ، وقطع دابر المفسدين، سواء أكان الظالم فردًا أم جماعة أم أمة من الأمم .

لقد حفل القرآن الكريم بالأخبار الكثيرة عن مصارع الظالمين ومصير المفسدين ، الدين عمَّرُوا عمرانًا عظميًا ، وشيَّدُوا حضارات عتيدة ، وظنوا أنهم بلغو النهاية في القوة والعزة ، وغرتهم أنفسهم فظلموا وأفسدوا ، وما تركوا ظلمهم رغم الآيات والنذر ، فحقت كلمة العذاب عليهم ، وأصبحوا أثرُا بعد عين وخبرًا طواه التاريخ يُتْلَى للتذكرة والاعتبار .

إنها سنة ماضية في الظالمين مهما اختلفت أزمانهم وتباعدت بلدانهم وتنوعت أعراقهم ، فسنن الله تعالى لا تحابي أحدُا ، ولا تفرق بين زمان وزمان ، أو تطال أقوامًا ، فمن ظلم وتمادى في ظلمه فهلاكه واقع لا محالة إلا أن يَمُنَّ الله تعالى عليه بتوبة عاجلة قبل حلول العذاب .

إن من عدل الله تبارك وتعالى أنه لا يُهلك مَن لا يستحق الهلاك ، ولا ينزل العذاب إلا بمن أتى أسبابه ، وحقَّق موجباته ، والآيات القرآنية الكريمة دالة على هذه الحقيقة ، ومنها قول الله تعالى: ] وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ [ ( هود: 117 ) ، وقال سبحانه: ] وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي القُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ [ ( القصص: 59 ) ، وقال عز وجل: ] وَتِلْكَ القُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا [ ( الكهف: 59 ) ، ولما قضى الله تعالى بإهلاك قوم لوط علَّق سبب هذا الهلاك على ظلمهم فقال سبحانه: ] إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ [ ( العنكبوت: 31 ) ، ولما كذَّب أقوامٌ رسلهم ، وظلموا أتباع الرسل أوحى الله تعالى إلى الرسل بهلاك هؤلاء المكذبين الظالمين فقال سبحانه: ] فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ[ ( إبراهيم: 13-14 ) .

والظلم الذي تقع فيه الأمم على نوعين:

أولهما: ظلم النفس بالشرك والكفر ، ورفض دين الله تعالى الذي ارتضاه ورد شرائع الرسل عليهم السلام ، واستبدال ذلك بالقوانين والأنظمة البشرية أو تعاليم السادة والكبراء المنبثقة عن الأهواء والشهوات .

وهذا النوع هو أكبر أنواع الظلم وأشدها خطرًا ، كما قال الله سبحانه: ] إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ[ ( لقمان: 13 ) .

وثانيهما: ظلم الناس وذلك ببخسهم حقوقهم ؛ والتسلط على مواردهم وثرواتهم والتدخل في شؤونهم وخصوصياتهم وسلبهم إرادتهم وحريتهم وقسرهم على المناهج والتعاليم التي ترتضيها القوى الظالمة .

والنوع الأول من الظلم مستلزم للنوع الثاني: كما يشهد بذلك الحال ، وكما يدل عليه تاريخ الطغاة الظالمين ؛ فإن أتباع الأنبياء والمرسلين من العامة والضعفاء ما سلموا من ظلم السادة والأقوياء الذين رفضوا أن تكون العبودية خالصة لله تعالى، وأرادوا تعبيد الناس لأصنامهم وأهوائهم ، فقهروا الناس على ظلمهم وقسروهم على شركهم فكانت نتيجة ذلك غضب رباني على الظالمين جعل أرضهم يبابًا ، وديارهم بلاقع ، عبرة للمعتبرين .

منهم قوم نوح عليه السلام الذين كذبوا نوحُا ، وظلموا أتباعه ، واحتقروهم ، وازدروهم ، وقالوا: ] وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ [ ( هود: 27 ) ، فلما أنهوا المهلة التي قدرها الله تعالى لهم ، ولم يتوبوا من استكبارهم ، قضى سبحانه بهلاكهم ، وعلَّق ذلك على ظلمهم فقال سبحانه: ] وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ [ (هود: 37) فلما أغرقهم أخبر عن ذلك بقوله: ] فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ [ ( العنكبوت: 14 ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت