(1 من 3) غرس عقيدة التوحيد في القلوب ماليزيا: د. عبدالرحمن اسبينداري
عقيدة التوحيد أضمن سبيل لمنع الطغيان السياسي؛ حيث كانت ولا تزال من أهم الوسائل والسبل التي يتسلح بها الدعاة والمصلحون لمواجهة شتى صور الفساد والطغيان والبغيٍ وتغييرها، سواء كان ذلك الطغيان لاأخلاقيًا أو اقتصاديًا، أو سياسيًا وهو ما نحن بصدده. وبما أن العوامل التي تؤدي إلى ظهور الطغيان السياسي وتقويته عوامل مركبة راجعة إلى كل من الحاكم (1) والبطانة والجنود والرعية، وأن لكل واحد من هؤلاء دوره في إيجاد الطغيان أو ترسيخه، فلابد من الإشارة إلى دور العقيدة وأثرها في الفئات المذكورة ما دام لكل واحدة منها دورها في بروز الطغيان السياسي أو إطالة أمده.
أثرها على الحاكم
العقيدة الصحيحة تمنع الحاكم من الطغيان، وفي الوقت نفسه تدفع الرعية إلى مواجهة الطغيان إن برز في المجتمع وعدم الخضوع له، وهي نفسها التي تمنع الجنود أو المؤسسة العسكرية من أن تكون طرفًا في تثبيت وغرس السياسات الطاغوتية. والعقيدة هي التي تدفع البطانة وتمنعها من أن تكون بطانة سيئة، وتعمل كل ما في وسعها لتبعد عن نفسها كل صفة من شأنها أن تدخلها في دائرة البطانة السيئة.
وذلك لأن الحاكم إذا آمن بالله السميع العليم البصير الرقيب، واعتقد ذلك اعتقادًا جازمًا فهيهات أن يتجاوز الحدود المرسومة له أو أن يطغى، أو يقترف ما يدخله في دائرة الطغيان، أو يظلم الآخرين ولو في أمر غير ذي شأن.
وإذا آمن الحاكم باليوم الآخر وأنه سيحاسب على كل ما يصدر عنه من قول أو فعل فلن يقترف ما من شأنه أن يجعله في دائرة الظلمة الذين سيوقفهم الله أمام الحشر العظيم لمحاسبتهم عما بدر منهم، وإن اقترف الحاكم شيئًا من الظلم أو مارسه ضد أحد في حالة ضعف أو غضب فإنه سرعان ما يثوب ويعود إلى رشده فيتوب إلى الله ويطلب الصفح ممن ظلمه.
وعلى البطانة
ويظهر هذا جليًا إذا ما عرفنا أن الذي دفع ويدفع إلى الطغيان، وممارسة البطش والإرهاب والقهر ضد الآخرين هو عدم الإيمان باليوم الآخر وبالحساب، وهي حقيقة ذكرتها آيات قرآنية (2) .
والعقيدة هي نفسها التي تمنع البطانة من أن تتحول إلى بطانة سيئة، بل تجعل منها بطانة صالحة حريصة على مصلحة الرعية ومصلحة الحاكم في الوقت نفسه، وتقف دومًا في صف المصلحين والدعاة، انطلاقًا من عقيدتها التي تأمرها بذلك، وتنهاها عن الركون إلى الذين ظلموا ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون (113) (هود) . ونجد هذه الصورة واضحة في قصة مؤمن آل فرعون، فعلى الرغم من قربه من الطاغية، وكونه واحدًا من حاشيته وآله، وعلى الرغم مما عُرف به فرعون من الطغيان والظلم المتبادر منه لأتفه الأسباب فإن عقيدة الرجل المؤمن دفعته إلى النصح وإلى الوقوف في جانب الخير والإصلاح، وإلى أن ينكر عمل الطاغية وينصحه بالتخلي عنه.
ولمعرفة الفرق الكبير بين صاحب عقيدة التوحيد وغيره من أفراد بطانة الطاغية، الذين لا عقيدة لهم إلا حب المناصب والتقرب من الطاغية، نقرأ الآيات الآتية، فالبطانة السيئة لفرعون قالت: أتذر موسى"وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك قال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون 127 (الأعراف) ."
في حين كان موقف صاحب عقيدة التوحيد: وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب 28 يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا (غافر:29) إلى قوله: فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد 44 فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون سوء العذاب 45 (غافر) .
فعقيدة التوحيد غيرت هذا الفرد، ونقلته إلى جبهة الخير والإصلاح، ودفعته إلى رفض طغيان فرعون لذا حاول بكل ما أوتي من قوة البيان إقناع فرعون وبقية الملأ باتباع موسى عليه السلام وبالإقلاع عن الطغيان.
وعلى المؤسسة العسكرية