فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 27345

سلسلة دراسات إسلامية معاصرة

الأدب

أنور الجندي

منشورات المكتبة العصرية

صيدا - بيروت

الطبعة الأولى

1402 هـ - 1982 م

###3### الأدب

إن خصائص الأدب العربي التي تميزه عن الآداب العالمية المختلفة في الشرق والغرب ترجع إلى البيئة التي نشأ فيها، والمفكر الذي تشكل في إطاره، والتحديات التي واجهته في طريق مساره الطويل، وقد نشأ الأدب العربي في الجزيرة العربية إلى قرون عديدة سبقت الإسلام، وصاغته مقومات دعوة التوحيد الأولى"الحنيفية"حين قام هذا المجتمع الجديد في قلب الجزيرة بجوار بيت الله الحرام، فجمع بين جنوب الجزيرة وشمالها ووسطها، وصهرها جميعًا في ذلك البناء الذي أقامه الإسلام ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم حفيد إبراهيم وإسماعيل، ولا ريب أن الإسلام هو الذي أعطى العرب كيانهم الاجتماعي، والقرآن هو الذي صاغ لهم منهج الأدب العربي، ولقد كان قبل الإسلام شعر وأدب وأسواق، ###4### وكان الشعر ديوان العرب ومجموعات من سجع الكهان، غير أن صورة الأدب في معالمه الأصيلة، إنما وضحت بعد نزول القرآن الذي كان العامل الأعظم في بناء الأدب، وظهور فنونه وعلومه ومناهجه، والذي أغنى اللغة العربية بالأساليب والمضامين، ولا ريب أن اللغة العربية سابقة على الإسلام، وهي عماد وجود الأمة العربية، وهي لغة تطورت، ونمت خلال مئات السنين حتى وصلت إلى صورتها التي عرفت بها قبيل الإسلام، وإن ظلت لها لهجاتها المتعددة، فلما نزل القرآن انصهرت اللغة العربية في لهجة واحدة، ثم كان أن أعطاها القرآن - كما أعطى الأدب العربي - هذا البيان المعجز الفائق - الذي فهمه العرب، وأعجبوا به، وعجزوا في نفس الوقت عن الإتيان بمثله. ولقد كان لميراث النبوة في إسماعيل: جد العرب، وبقايا الحنيفية"دين إبراهيم"قيم خالطت النفس العربية، قامت على الأريحية والمروءة، وإن أصابها كثير من فساد عادات الثأر، ووأد البنات، والشرك وعبادة الأصنام، والاستعلاء والتفاخر، فلما جاء الإسلام حرر هذه النفس العربية من جاهليتها، وصاغ كثيرًا من طوابعها صياغة جديدة، وحول أهداف الكرم وحماية الذمار والنجدة، فأعطاها مفهومًا متجددًا هو مفهوم التوحيد ###5### الأصيل، واستبقى قدرتها على المجالدة والحمية، ووجه ذلك كله إلى هدف أسمى تحت لواء عقيدة التوحيد الخالص، وبذلك محا درن الجاهلية، وحرر قيمها التي كانت عماد القوة الكبرى التي اندفعت في الأرض ترفع راية الإسلام، وتعلن اسمه، وتمد نفوذه من حدود الصين إلى حدود فرنسا، كل هذه العوامل أعطت أدب اللغة العربية ذاتية خاصة، وطبعته على نحو خاص يختلف به عن أدب الأمم الأخرى، وظهرت فنون لم توجد في الآداب الأخرى، واختفت منه فنون توجد في الآداب الأخرى، وظهور تلك الفنون واختفاء تلك الأخرى منه لا ينقص من قدره، ما دام يصدر عن أعماق روحه الطبيعية ومقوماته الخالصة، ومن هنا فإن هذا الأدب لا يمكن أن يدرس في ضوء مناهج وضعت لآداب أخرى، ذلك أن أساليب النقد والبحث إنما توضع للآداب بعد ظهورها، ولذلك فهي مستمدة منها وليس العكس.

إن مذاهب الأدب التي يحاول النقاد محاكمة الأدب العربي إليها، هي في جملتها مذاهب غربية، وضعت مسمياتها ومناهجها بعد قيام ظواهرها في الآداب الأوروبية، وهي في الحق ليست مذاهب، وإنما هي أسماء عصور: كالكلاسيكية والرومانسية وغيرهما، وهي تتصل في مجموعها ###6### بتاريخ الأمم التي وضعت هذه المذاهب، فلماذا تنقل لتكون قوانين يخضع لها أدبنا الذي يختلف من حيث تكوينه وطابعه وتاريخه، وبيئته ومظاهر حياته عن هذه الآداب؟ إن اختلاف المصادر والمنابع بين الأدب العربي والآداب الغربية يجعل من العسير خضوع الأدبين لمقاييس واحدة، أو لقوانين واحدة، والمعروف أن الآداب الغربية جميعًا تستمد مصادرها من الأدب الهليني والفلسفة اليونانية، والحضارة الرومانية، فقد اتجه الأدب الأوروبي الحديث منذ أول ظهوره في عصر النهضة إلى هذه المنابع، وربط نفسه بها، وجعلها أساسًا ثابتًا لمختلف وجهات نظره ومفاهيمه وقيمه، كما اتخذ من النظريات التي قدمها أرسطو في الأدب والنقد والشعر وغيره أساسًا له.

ولا ريب أن الأسس التي يقوم عليها الأدب الغربي بمختلف فنونه وبيئاته، تختلف اختلافًا واضحًا عن الأسس التي يقوم عليها الأدب العربي الذي استمد مصدره أساسًا من القرآن الكريم، والإسلام والقيم العربية الأصيلة التي تلاقت مع مفاهيم الإسلام، وانصهرت معها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت