أ. د. عماد الدين خليل 26/5/1426
إن معنى أن يكون الله في السماء إله وفي الأرض إله هو أن يكون صاحب الكلمة الأولى هنا وهناك .. الحاكم والمشرّع هنا وهناك .. المالك والمدبر هنا وهناك .. المقدّر والمصرّف هنا وهناك..
إن القرآن يقولها صراحة (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الأرْضِ إِلَهٌ) .. والذين يدعون إلى فصل الدين عن الدولة .. أو إعادة الدين إلى سماواته العليا ورفض تدنيسه بأوحال السياسة، كما يقولون، أو تحييد الدين وعدم تسييسه أو زجه بالسياسة، كما يشتهون، الذين يعلنون بأن ما لله لله وما لقيصر لقيصر.. إنما يقفون، شاؤوا أم أبَوْا، بمواجهة هذه القاعدة القرآنية الصارمة.. الواضحة .. وكأنهم يطلبون من الله سبحانه أن يسحب يديه من العالم، وأن يكتفي بحكم ما وراءه .. وحاشاه!!
ألا يدري هؤلاء بأن كلمة (ألوهيّة) لغة واصطلاحًا تعني الربوبيّة والحاكميّة، وأن من يكون إلهًا في أي مكان من الكون والعالم، يكون ربه وحاكمه بالضرورة؟
أفيكون الله إلهًا حاكمًا في الكون.. وإلهًا غير حاكم في العالم، لا لشيء إلا ليفسح الطريق أمام الطواغيت والأرباب والفراعنة والكهنة لكي يستعبدوا الناس (لحسابهم) من
دون الله؟!
وما هي مصلحة جماهير الناس في أن يتنازلوا عن حريتهم وكرامتهم ومكانتهم في العالم لصالح حفنة من المتألهين في الأرض؟(أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى
قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (1) ..
إن آيات الحكم بدين الله في الأرض .. أي بمنهجه وتشريعه وقوانينه ونظمه.. واضحة، صريحة، بيّنة: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) (2) ، (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (3) ، (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (4) ، (وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ) (5) ، وإن ألف محاولة للتعتيم عليها لن تزيدها إلا وضوحًا بحكم حقيقة الدين نفسه باعتباره طريقًا للخلاص، ورؤية شاملة للكون والحياة والإنسان، وبرنامجًا لصياغة الوجود البشري والتحقق بالوفاق مع المصير.. وإن أي شريعة أخرى يضعها هذا الطاغية أو ذاك، ويصنعها هذا الفرعون أو ذاك، ويخطط لها هذا الإله أو ذاك.. لن تزيد الإنسان إلا تفتّتًا وتمزقًا .. ولن تزيد الجماعة إلا تعاسة وشقاء .. ولن تتمخض إلا عن ارتطام محزن بين الوجود والمصير..
ثم إن هؤلاء الطواغيت كثيرون جدًا، ومناهجهم وأديانهم كثيرة جدًا، وكل منهم يدّعي- لسفهه وغروره وتألّهه- أنه هو صاحب الكلمة النهائية في هذا العالم، وأن طريقه هو الطريق .. فأي من هؤلاء تتبع حشود الناس، وكيف سيكون الناس ـ وهذا ما كان فعلًاـ لو أن كل جماعة منهم انتموا لهذا الطاغوت أو ذاك، وقاتلوا عنه، ورفضوا دعوة الفراعنة الآخرين؟
إن معضلة التاريخ البشري هي هذه، وإن الحل الأوحد هو هذا: الانتماء لدين الله الواحد.. لصراطه المستقيم الذي لا صراط غيره (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (6) .
فمن تريدون أن يشرّع لكم: الله المنزّه عن الميل والظن والهوى، أم العباد المترعون ميلًا وهوًى ، الممتلئون ظنًا والذين تبين لكم في رحلة التاريخ البشري كم هم حريصون على عدم تجاوز مصالحهم الخاصة إلى مصلحة الإنسان، والتنازل عن مواقعهم المتفردة من أجل جماهير الناس؟
إن الدين يريدها أن تكون للناس جميعًا؛ لأن الله هو خالق الناس جميعًا، وربهم وإلههم .. والطواغيت يريدونها لهم أولًا، ولحفنة ممن يسبحون بحمدهم ويعززون سلطتهم في الأرض ثانيًا.. ولا شيء وراء هذا وذاك ..
إما أن يكون الدين لله حيث يتساوى الناس جميعًا وتفتح أمامهم سبل الحياة الحرة العادلة، المتوحدة، الكريمة.. وإما أن يكون للطاغوت حيث الفتنة التي لن ينجو من ذيولها أحد .. الطاغوت ومن يسكت على حكم الطاغوت (وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (7) .
إن المسألة في جوهرها صراع بين تحرير الإنسان من تألّه الطواغيت وبين خضوعه لألوهيتهم وطغيانهم .. ليس ثمة تفسير آخر للدين .. وما كان الله سبحانه وتعالى ليدع عباده يضربون بغير هدى، ويندفعون عبر رحلة التاريخ فوضى ذات اليمين وذات الشمال لكي ما يلبثوا أن يقعوا في مصيدة الاستعباد والإذلال ..