فهرس الكتاب

الصفحة 8761 من 27345

عباده المؤمنين

إعداد: رغداء محمّد أديب زيدان

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين, العزيز الحكيم, الّذي جعل الإسلام ديننا, وجعلنا مسلمين, والّذي قال في كتابه العزيز:"الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا" (المائدة: من الآية3) .

والصلاة والسلام على سيدنا محمّد مبلّغ الرسالة, وحامل الأمانة, وعلى آله وصحبه وسلّم. أمّا بعد:

لسنا بحاجة إلى وصف وضع المسلمين اليوم, فوضعهم معروفٌ ومحزنٌ: تخلّفٌ, وتأخّرٌ, وشعورٌ بالدونية, وانحطاطٌ أدّى إلى القعود, وإلى تسلّط الأمم وتداعيها عليهم .

فأصبح المسلم اليوم يشعر أنّه فاقدٌ للعزّة, فاقدٌ للكرامة, فاقدٌ للمكانة الّتي كان يحتلّها أسلافه بين أمم الأرض سابقًا, مكبّلٌ بالقيود المختلفة, متّهمٌ بشتّى التهم الّتي أُلصقت به, وتبارى مطلقوها في اختيارها وتنقيحها, وصار المسلم, هربًا من واقعه, ينتظر نصر الله ووعده بالتمكين في الأرض, ظنًّا منه أنّ هذا النصرسيأتي دون عملٍ, فغرق في أحلام اليقظة, وفي الاحتمالات الّتي لا تغيّر شيئًا من الواقع الأليم الّذي يعيشه .

وكلنا يعرف أنّ وعد الله للمؤمنين جاء في قوله تعالى:"وَعَدَ اللَّهُ الّذينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الّذينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الّذي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ" (النور: 55) .

وهذا الوعد لن يحدث إلاّ بالعمل الجادّ الدؤوب, وبالعودة إلى دين الله القويم. ولكن, كلّنا يتسائل: كيف تكون البداية الّتي يجب أن نبدأ بها ؟. كيف تكون العودة إلى الدين الصحيح ؟ . ما هو العمل الّذي يجب أن نعمله لنستطيع أن نحقق وعد الله لنا ؟ . وهل سيتحقق هذا الوعد بأيدينا وبعملنا, أم بمعجزةٍ تنزل من السماء ؟. وإذا كان هذا الوعد لن يتحقق إلا بعملنا, فهل نملك القدرة على تحقيقه, رغم كلّ ما يحيط بنا من أحداثٍ وعوامل ومتغيراتٍ ؟

هل فقدنا القدرة على العودة إلى الطريق الصحيح ؟. هل فات الوقت؟.

هل انتهى الإيمان الحقيقي من القلوب, ولم يبقَ مسلمون حقيقون حقًّا يستحقّون أن يتحقق وعد الله لهم ؟ .

هذه الأسئلة وغيرها سيحاول , بإذن الله , هذا البحث أن يجيب عنها . وأرجو أن يكون بدايةًً للطريق الّذي يجب أن يبدأ به المسلمون لتحقيق وعد الله سبحانه تعالى بالعزّة والنصر . فإن أخطأت فمن نفسي, وإن أصبت فبتوفيقٍ من الله"وَمَا تَوْفِيقِي إِلاّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيب" (هود: من الآية 88) .

الفصل الأوّل

شعور المسلم بفقد العزّة, أسبابه:

كثرت الأحاديث والكتابات الّتي تُظهر واقع المسلمين اليوم, وكلّها تجمع على أنّ هذا الواقع هو واقعٌ أليمٌ: أمّةٌ ممزقةٌ, كثيرة العدد, كثيرة الموارد, ولكنّها لا تغني شيئًا, فقد تسلّط عليها أعداؤها, ونهبوا خيراتها, ومزقوها كلّ ممزّقٍ, وتحكّموا بمستقبلها, فحددوا لها ما يجوز وما لا يجوز فغدت من أكثر الأمم تخلّفًا, ومن أكثرها ضعفًا وذلاًّ.

العالم الإسلامي عالمٌ غنيٌّ بموارده وطاقاته, خصّه الله بمساحةٍ كبيرةٍ, تُقدّر بـ31 مليون كيلو مترٍ مربّع, وتعادل 22%, تقريبًا , من مساحة اليابسة على سطح الأرض. وهذه المساحة الكبيرة فيها تنوّعٌ كبيرٌ في التضاريس, وفي المناخ, وفي الموارد الزراعية, والمعدنية, والثروات الكثيرة, الّتي أنعم الله بها على المسلمين.

كما أنّ عدد المسلمين, اليوم, يُعدّ بأكثر من 1300 مليون نسمة, أي حوالي 23% من مجموع سكان العالم, وهم متوزّعون في كافّة أنحاء الأرض .

ولكن للأسف!, فهم مصنّفون ضمن ما يُسمّى بالعالم الثالث, عالم التخلّف, عالم اللاتأثير, العالم المحكوم, المغلوب على أمره, العالم الّذي تنبّأ به النبي r في الحديث الشريف حيث قال:"يُوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها". فقال قائل: ومن قلّةٍ نحن يومئذٍ ؟, قال:"بل أنتم يومئذٍ كثيرٌ, ولكنّكم غثاءٌ كغثاء السيل, ولينزعنّ الله من صدور عدوّكم المهابة منكم, وليقذ فنّ في قلوبكم الوهن". قال قائل: يا رسول الله ! وما الوهن؟, قال:"حبّ الدنيا, وكراهية الموت".

صدقت يا رسول الله, فالمسلمون اليوم يمثلّون أمّةً بلا فائدةٍ لا تغني كثرتها شيئًا, بل هي لقمةٌ سائغةٌ تتسابق إليها الأيدي, ولا تستطيع الدفاع عن نفسها, وطبيعيٌّ أن يكون أفراد هذه الأمّة أفرادٌ خاملون, لا فائدة منهم, أفرادٌ بلا عزّة, ولاعزيمة, ولا همّة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت