فهرس الكتاب

الصفحة 4960 من 27345

خباب مروان الحمد*

حدَّثتني إحدى الصالحات أنَّ ثلاث فتيات في مدرستها اتفقن على أن يقمن الليل لمتابعة برنامج ستار أكاديمي، فهذا البرنامج خلب لبَّهنَّ ، وسحر فكرهنَّ ، ولأجل ذا فقد تواعدن على أن يقسِّمن الليل إلى ثلاثة أثلاث، كلُّ واحدة منهن تنظر في هذا البرنامج وتقوم بتسجيله ، ثمَّ تتصل بزميلتها بعد أن تنتهي نوبتها في ملازمة التسجيل لهذا البرنامج ، وتقوم الثانية بهذا الدور، وهكذا العمل مع الزميلة الثالثة إلى أن ينتهي البرنامج.

بهذا المنطق الغريب يتفاعل كثير من الشباب والفتيات المنتسبين للإسلام حين يريدون مشاهدة هذه البرامج الهابطة، والتي بثَّت أخيرًا عبر الفضائيات، وجعلت لدى الشباب نوعًا من الهوس لإعجابهم بهذه البرامج المباشرة، وكأنَّها (مغناطيس) يجذبهم بقوَّة وقهر، وليس لهم إلاَّ تلبية رغبات النفس، وخطرات الروح.

أما آن للمصلحين أن يفيقوا من نومهم العميق، لإنقاذ شبابنا وفتياتنا من مأساة فكرية وشهوانية تعصف بهم ذات اليمين وذات الشمال ، وقد جعلتهم يتهافتون على الشَّاشات كالفراش وهم لا يشعرون!

ودعونا أيها الفضلاء نراجع أنفسنا ، ونقوِّم ذاتنا ، فجزى الله علماءنا خيرًا حين أفتوا بتحريم هذه البرامج ، وبينوا بلا لبس أو غموض حكم مشاهدتها ، والنظر إليها ، فقد أثَّرت تلك الفتاوى في بعضهم وأقلعوا عن مشاهدتها ـ ولله الحمد والمنَّة ـ.

ولكن هل نكتفي بهذا، وما زال الكمُّ الهائل من شباب الأمَّة يشاهدون ويصفِّقون ، ويحلمون في منامهم ويقظتهم في ذكريات البرنامج الشبابي! ألا يوجد لدينا حلولٌ وافرة ، وأكفٌّ رفيقة ليِّنة تحتضن الشباب والفتيات في برامج إسلامية مشوقة ، ومشاريع تربوية وترفيهية ، وبدائل منضبطة بميزان الشريعة؟ أين أصحاب الحلول المنتجة ، أين أهل الثراء والمال والغنى ، أين أصحاب الأفكار الإبداعية ، والمشاريع الابتكارية؟ أين هم من الذي يحاك لشباب هذه الأمَّة ، ويخاط لهم وينسج في مواخير الفساد ، وأندية الظلام، والكواليس الخفية لتعليمهم دروسًا في العربدة والشهوات؟

ترى لو أنَّ جيشًا عرمرمًا أحاط ببلدة من بلاد الإسلام ، وأثخن فيها وأكثر من القتل والتعذيب لأبناء الإسلام، ثمَّ خرج علينا رجل يبيِّن خبث هذا العدو ومكره، محذرًا المسلمين من استقباله أو احتضانه... ثمَّ وقف إلى هذا الحد، واكتفى بهذا القدر ؛ هل سيؤدِّي هذا إلى دحر العدو وإنقاذ النَّاس؟ أم أنَّ هناك لوازم ينبغي إضافتها على ذلك الحدث ؟!

وبعد: فإنَّ المراقب لهذه الأوضاع ، وتلك الأحداث ، ينبغي عليه أن يعرف أنَّ من أسباب وجوده في هذه الأرض دعوة الناس لدين ربِّ العالمين ، وتقريبه إلى قلوبهم ، فليست الدعوة بالمحاضرات و الخطب وحدها، وليست بالدروس أو الفتاوى فحسب ، بل لا بد من استخدام جميع الوسائل المشروعة والمتاحة ؛ فالدعوة إلى الله مجالها رحب ، وأساليبها المشروعة لا حدَّ لها ولا عد .

وحيث إنَّني شرعت في المقصود ؛ فإنِّ من الأولويات الهامة للعمل في حقل الدعوة الإسلامية ؛ الفهم الناضج لمقاصد الشريعة لدى طلبة العلم، والمشتغلين بالإصلاح الديني ، ليخرجوا لنا بمحصِّلات مدروسة، ونتائج ملموسة في فقه البديل الإسلامي المواكب لروح هذا العصر ومتطلباته ، وكيفية إنقاذ هذه الأمَّة المنكوبة من الأزمات التي تحلُّ بها سواء كانت تعليمية أو تربوية أو اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية أو عسكرية ، وغيرها من ألوان المشاكل، وأشكال المحن.

والعالِمُ الحق هو من وصفه الإمام أبو العباس ابن تيمية ـ رحمه الله ـ بأنَّه: ( الذي يعرف الحق، ويرحم الخلق) وأنَّه: (كلَّما اتسعت معرفته بالشريعة وروحها ، كان أرحم بالعباد وأعظم الناس تيسيرًا عليهم ورفقًا بهم) .

وحين يتأمل المسلم الهدي الربَّاني في القرآن الكريم يجد أنّ الله ـ سبحانه وتعالى ـ ما حرَّم على عباده شيئًا إلاَّ وأبدلهم عوضًا عنه ما هو خير منه ، حتَّى في مجال الألفاظ والعبارات فإنَّه تعالى قال: ( يا أيُّها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم) البقرة (104) ، فقد نهاهم ـ تعالى ـ عن ذلك لأنَّ فيه شبهًا بيهود حين كانوا يقولون ذلك لنبينا محمد ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ ويقصدون بذلك السخرية به ـ عليه الصلاة والسلام ـ فنهى الله صحابة رسوله أن يقولوا هذه الكلمة لنبينا محمد ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ وأبدلهم بأن يقولوا له (انظرنا) . كذلك من تدبّر سيرة المصطفى ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ يجد ذلك واضحًا في منهجيته في التربية والتعليم، فإنَّه كان إذا حرَّم شيئًا أتى بالبديل المشروع مقابل ذلك الأمر المُحَرَّم ؛ لأنَّه يعلم أنَّ النفوس ضعيفة ، ومجبولة على حبِّ العوض والبديل ، وخذ أمثلة على ذلك:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت