فهرس الكتاب

الصفحة 10254 من 27345

أ.د. ناصر بن سليمان العمر

الحمد لله الذي خلق الموت والحياة ليبلو الناس أيهم أحسن عملًا، والصلاة والسلام على خير صابر على البلاء، وخير مبلغ عن ربه، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.

أما بعد:

فالمرء مبتلىً ما عاش، فالخير الذي يصيبه بلاء ليُنظر أيشكر أم يكفر، والضر الذي يلحق به بلاء ليُنظر أيصبر أم يضجر، والله _تعالى_ يقول:"وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ" (الأنبياء: من الآية35) . والمؤمن هو الذي يخرج من البلاء رابحًا فائزًا، وكما في الحديث إن أصابته نعماء فشكر فكان خيرًا، وإن أصابته ضراء فصبر فكان خيرًا له، وليس ذلك إلا للمؤمن. وأنبياء الله _تعالى_ هم أعظم الناس إيمانًا، وأكثرهم عرضة للبلاء، ومنهم كان يوسف _عليه السلام_ تعرض لمحن عديدة كان من أشدها محنة المراودة التي انتهت به لمحنة ثانية؛ محنة السجن، ففي قوله _تعالى_:"وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ" (يوسف: من الآية32) تقول امرأة العزيز للنساء: إنها راودته، وقالت: فاستعصم، أي: طلب العصمة من الله _جل وعلا_، وهي وقفة تربوية بابها احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله.

وما أحوجنا إلى الاستعصام بالله في الشدائد"أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ" (النمل:62) إذا أصبت يا أخا الإسلام بشدة فالجأ إلى الكريم، وقل:"إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" (الفاتحة:5) . الجأ إلى الله _جل وعلا_ كما لجأ إليه الأنبياء، ولجأ إليه الصالحون.

ثم قالت:"وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلِيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ" (يوسف: من الآية32) . وهنا لطيفة ذكرها بعض المفسرين، وهي أن امرأة العزيز قالت في موضوع السجن، قالت:"لَيُسْجَنَنَّ"، لكن في الثانية قالت: ليكونا، ما قالت ليكونن. لماذا؟ ما الفرق؟ قال العلماء: إن السجن القرار بيدها أو بيد زوجها، تستطيع أن تأخذه كما حدث، وضعوه في السجن.

أما الصغار فهو قضية معنوية لا تستطيع هي أن تجعله صاغرا أو غيرها، ولذلك جاءت على استحياء، وليكونًا مخففة، وتحقق السجن؛ لأنها تملك القرار، وزوجها يملك القرار، لكن هل تحقق الصغار؟ كلا وحاشا.

فمنذ دخول يوسف _عليه السلام_ السجن وإلى يوم الناس هذا يذكر الكل سجنه في مناقبه، فكان سجنه سبب علو له وفخار ومجد، بل أصبح يواسى به الناس.

وهذا يدلك على أن السجن إذا لم يكن لأمر يخل بالشرع، إذا لم يكن بسبب ارتكاب معصية ومحرم، فلن يكون صاحبه من الصاغرين، فقد يسجن المصلحون، وقد يسجن من يخدم أمته، ولكن لايناله الصغار، فصاحب القرار يملك أن يسجنه لكنه لا يملك أن يجعله من الصاغرين، وكم من سجن كان سببًا لعلو صاحبه.

إذا ذكر الإمام أحمد _رحمه الله_ تذكرنا سجنه وثباته فيه، فكان شرفًا له وعزة وقوة.

وإذا ذكرنا شيخ الإسلام ابن تيمية تذكرنا سجنه ثلاث مرات، بل تذكرنا موتته في سجنه وهو يقرأ"إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ" (القمر:54، 55) ، ولذلك قال:"ما ينقم مني أعدائي، أنا جنتي وبستاني في صدري،أنا سجني خلوة".

وهذا المعنى يغيب عن بعض النفوس فتتنازل وتتساهل وعندها يكون السجن صغارًا، وكذلك إذا كان السجن بسبب ارتكاب معصية أو محرم.

أما إذا كان بسبب التزامه بدين الله واستمساكه بحبله فهو شرف وعز وفخر للشخص في حياته وبعد مماته، وها نحن نرى مصداق ذلك في حياتنا، نراه مع من يسجن من العلماء ومن الدعاة ومن المصلحين، شرف وعز لهم في الدنيا في السجن وبعد خروجهم من السجن، وهو _بإذن الله_ أجر ورفعة في الآخرة.

وعودًا على بدء لقد اجتمع هؤلاء النسوة وقرروا قرارهم الذي أحدثه الفراغ فسوله الشيطان وأمضاه ضعف التربية، ولو اشتغلن بطاعة الله والتزمن منهجه، لابتعدن عن مثل هذه الفواحش الممقوتة، ولكنها حال البشرية يوم تنبذ منهج الله، وتسبح بحمد الجبابرة.

ولما كان الأمر كذلك قال يوسف _عليه السلام_:"رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ" (يوسف:33) ، وكما فَرَّ في السابق من امرأة العزيز واستبق الباب، ها هو الآن يفر إلى ربه، باختياره السجن، لقد التجأ إلى الله _جل وعلا_ وتضرع بين يديه، وقال:"رَبِّ"تسمع في هذه الكلمة أثر الأسى والاستعطاف وطلب الرحمة، ممن رباه بالنعم وامتن عليه بجزيل المنن"رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ" (يوسف: من الآية33) . أي: أمِل إليهن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت