فهرس الكتاب

الصفحة 16209 من 27345

بقلم: د. مصطفى بوهندي

إلى السيدين العظيمين الذين شغلا التاريخ والناس منذ فجر المعرفة، فرعون وموسى.

اعذراني سيدي، إن اقتحمت عليكما قدسيتكما، وراسلتكما للمشاركة في معالجة ظاهرة الإرهاب في العالم المعاصر.

وليعذرني أولائك الذين لا يرون للأديان دورا في معالجة القضايا الكبرى المعاصرة، إن أنا استلهمت من القرآن والكتب المقدسة اقتراحات للمساهمة في مدارسة هذه الظاهرة.

الدفاع عن الحق لا يكون إلا بالطرق الحقة المشروعة، فلا يمكنك أن تستنكر السرقة وتسرق، ولا أن تستنكر الزنا وتزني، ولا أن تستنكر قتل الأبرياء وتقتلهم أنت بغير حق تحت أي مسمى كان

وليعذرني أولئك الذين يتكلمون باسم الدين، ولم يقرءوا في نصوصه أن يقال لفرعون قولا لينا، وأن يقال لموسى: {يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس، إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين} .

سيدي فرعون، يا صاحب العظمة والمهابة وكل الألقاب التي ترغب أن ينعتك الناس بها.

أحييك تحية تليق بمقامك السامي، وأتمنى أن تصلك رسالتي وأنت في أحسن حال أنت وأهلك وكل أفراد شعبك.

وبعد

فلقد تلقينا ببالغ الأسى والحزن نبأ مقتل أناس مسالمين أبرياء من أجناس مختلفة، ما كانوا في ساحة حرب ولا في موقع عدوان، نسأل الله لهم أن يغفر ذنبهم ويتقبلهم من الشهداء، ونخشى أن يبوء قاتلوهم بآثامهم جميعا فيكونوا من أصحاب النار.

ولقد تألمنا قبل ذلك لكل الأعمال الإرهابية التي لم تترك مكانا من العالم إلا ووصلته، بدمويتها وفواجعها ولا إنسانيتها ومختلف الشرور المنبعثة منها،

كما تألمنا لكل ردود الفعل الهمجية المتخذة بسببها في حق كثير من الناس الأبرياء كذلك، أفرادا وهيئات وشعوبا بأكملها، دون التمييز بين الصالح منها والطالح.

سيدي فرعون

إن الذي يؤلمنا أكثر من كل هذه المآسي هو استمرارها من دون أن يبرز في الأفق إشارة لتوقفها من كل الأطراف، وبيني وبينك فإن قدرتك على إيقاف مسلسلها أكبر من قدرة مخالفيك، وإني أعلم أن رغبتك في توقفها كبيرة لا يوازيها شيء، لكنني أظن أن الطرق التي اتبعت في ذلك غير مجدية، إن لم تكن تأتي بنتائج معاكسة، ولهذا أرسلت إليك رسالتي، وظني كبير أنك ستتفهمها وتعمل بما تراه صالحا منها.

كثيرا من أشياع موسى قد ارتكبوا جرائمهم عن سبق إصرار وترصد، واعتقدوا أن ما قاموا به هو نوع من الجهاد المقدس، الذي ينالون به رضوان الله وجنته ونعيمها، وربما يشفعون بذلك في سبعين من أقاربهم فلا تمسهم النار، وربما يحصلون بسبب ذلك على سبعين من الحور العين كأنهن بيض مكنون

إني معك في أن ما ارتكبه موسى ومن سار على نهجه من قتل لا يمكن أن يكون مبررا على الإطلاق، وهو جريمة بكل المقاييس، وإن كان قتل خطإ عند موسى. وإنه نفسه قد علم ذلك، واعتبره من عمل الشيطان العدو المضل المبين. وقد اعترف لربه بهذا الظلم لنفسه وطلب لها المغفرة، وتاب إلى ربه معلنا أنه لن يساهم أبدا في أي جريمة ولن يكون ظهيرا للمجرمين حين قال: {هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين، قال ربي إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم، قال رب فبما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين} .

وأقر معك أن كثيرا من أشياع موسى قد ارتكبوا جرائمهم عن سبق إصرار وترصد، واعتقدوا أن ما قاموا به هو نوع من الجهاد المقدس، الذي ينالون به رضوان الله وجنته ونعيمها، وربما يشفعون بذلك في سبعين من أقاربهم فلا تمسهم النار، وربما يحصلون بسبب ذلك على سبعين من الحور العين كأنهن بيض مكنون.

أقر معك بهذا وأكثر منه، لكني أنبهك إلى أنك تتحمل النصيب الأكبر من المسؤولية في صناعة موسى ومن معه بكل تلاوينهم. وفي دفعهم إلى أن يقذفوا أنفسهم في اليم للالتحاق بقصرك في الضفة الأخرى دون مبالاة بالغرق وبكل ما يعترضهم في الوصول إليك. إذ أصبح قصرك هو الملاذ الآمن لهم من بطش جنودك وأعوانك في الأرض.لا ملجأ لهم منك إلا إليك. فإذا آواهم آلك أو استخدمهم أقرباؤك أو أحبهم أبناؤك فقد نجوا منك، وتربوا حينها في بيتك ونالوا مما عندك من خيرات ونعم، وحصلوا على ما يحصل عليه أبناؤك من علم ومعرفة وجاه ومكانة ومقام كريم. وكل هذا يا سيدي تستطيع أن تمنه على موسى ومن معه. لكنك لو رجعت إلى أبعد من ذلك قليلا لوجدت أن لك دخلا كبيرا في كل ما حل بهؤلاء من تهميش واستضعاف وإذلال واستعباد، حين كنت تتعامل معهم ولا يهمك إلا نفسك وشيعتك، وحين جعلت أهل الأرض شيعا تستضعف طائفة منهم تذبح أبناؤهم وتستحيي نساءهم، بل في كثير من الأحيان كنت لا تفرق بين ذكورهم وإناثهم وكبارهم وصغارهم، وكنت تبيدهم جميعا، وجعلت عليهم من بني جلدتهم من يسومهم سوء العذاب ويضرب عليهم الذلة والمسكنة، وكنت بذلك سيدي تصنع عداء الناس وكراهيتهم لك ولقومك، ولذلك فمهما أحسنت إليهم من بعد، فإنهم لم ينسوا بعد أنك أسأت إليهم من قبل ومن بعد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت