(قصة قصيرة) د. أبوبكر محمد عثمان*
كانا صديقين منذ الطفولة والمراحل المختلفة للدراسة حتى تخرجا من الجامعة في كليتين مختلفتين حسب ميول كل منهما؛ فصار أحدهما مهندسًا والآاخر باحثًا اجتماعيًا.. كانت الصداقة حميمة لابتدائها من الصغر؛ حيث انغرست محبة كل منهما في قلب الآخر مع أنهما كانا مختلفين في تركيبهما؛ فكان أحدهما قصيرًا نحيفًا أبيض اللون، بينما الآخر فارع الطول، ممتلئ، قمحي اللون، وكلما سارا جنبًا إلى جنب صارا مثار المزاح من أصدقائهما؛ فيقال عنهما العشرة (أي الواحد بجوار الصفر) ، وكانا يعلمان ذلك فلا يثير غضبهما، أو نفورهما من بعضهما، أو هجومهما علي قائله.. كانا يقضيان أمسيات أيام الدراسة، وطول مدة الإجازه الدراسية سويًّا في ليالي سمر، أو رحلات جماعية؛ وقلما يفترقان؛ اللهم إلا عند دخول كل منهما بيته.
اختار كل منهما فتاة فخطبها، وكان كل منهما يخرج للنزهة مع خطيبته يحرسها محرم كأب أو أخ؛ فيلتقي الستة على الموعد في احدى الحدائق العامة أو المطاعم المناسبة؛ فيتناولون السندوتشات، والمشروبات الباردة، والساخنة؛ حسب حالة الطقس؛ يتجاذبون أطراف الحديث، وكل معجب بخطيبته؛ ويتطلع إلى اليوم الذي يجمعهما فيه عش الزوجية، أو ما يسمونه القفص الذهبي.
اجتهد كل منهما في إعداد بيت الزوجية، وتأثيثه، ثم اتفقا علي يوم واحد يعقدان فيه القران، ويحتفلان فيه بالزواج السعيد.. افترقا فقط ثلاثين يومًا قضى فيها كل عروسين شهر العسل في مدينة مختلفة.
عادت كل أسرة إلى منزلها، واستقرت فيه، ثم أخذوا يتبادلون الزيارات التي تجمع الأربعة في مكان واحد، غير أن طول مدة صداقة الزوجين جعلت الزوجتين تتساهلان في قدر الاحتشام الواجب عند وجود رجل غريب غير محرم.
فكانت شدة دهشة أحدهما باكتشاف خطوط جمال في زوجة صديقه كما لو أنه لم يكن رآها من قبل!!، ولم يجد في زوجته ما يعادلها؛ فأخذ يدقق النظر خفية أولًا، ثم علانية؛ حتى لاحظت هي ذلك؛ وبفطرة المرأة عرفت مغزى نظراته؛ فهي نظرات عاشق معجب؛ وهي نظرات لم تجدها من زوجها الحلال؛ فلم تغض بصرها؛ بل أرسلته؛ يبحث؛ ويدقق؛ ووقع في قلبها إعجاب بخصال في شخصيته لم تكن قبل ذلك تلفت نظرها.
تغير قلبها من ناحية زوجها، كما تغير قلب ذاك من ناحية زوجته؛ فحدثت مبادئ النفور بين كل زوجين؛ وبدأ كل زوج يكتشف كل يوم نقيصة في زوجته؛ تقابلها ميزة في زوجة صديقه، وكذلك فعلت الزوجتان؛ وبدأت المشاكل.
حتى تشجع أحدهما؛ وقال لزوجته: أعتقد أن حياتنا أصبحت غير ذات معني؛ ويجب أن نفترق؛ ولفرط تعلقها بصديقه قالت له: لا بأس؛ فلنخرج بالمعروف؛ كما دخلنا بالمعروف.. كيف تتردد؟!؛ فهذه هي العقبة الوحيدة التي تمنعها من الحصول على مأربها؛ وها هي تزول دون جهد منها؛ وأخفى الزوج دهشته من سرعة استجابتها؛ حتي دون تتردد؛ وافترقا.
انتظر الآخر ثلاثة أشهر؛ وهو واثق أنهما لن يتراجعا؛ ثم خطبها؛ وتزوجها.. ادعت الأخرى أنها غضبت لزواج زوجها بأخرى؛ فطلبت الطلاق؛ فأجابها إلى طلبها؛ فخطبها الآخر؛ وتزوجها؛ وهكذا تبادل الزوجان الزوجتين!!.. فأين الخلل؟!..