صلاة الاستخارة ... ... ...
الحمد لله مغيث المستغيثين، ومجيب دعوة المضطرين، ومسبل النعم على الخلق أجمعين، عظُم حِلمه فستر، وبسط يده بالعطاء فأكثر، نعمه تتْرى، وفضله لا يحصى، من أناخ بباب كرمه ظفر، وأزال الضر عنه وجبر ما انكسر، إليه وحده ترفع الشكوى، وهو المقصود وحده في السر والنجوى، سبحانه وسع سمعه الأصوات، باختلاف اللغات، على تفنن الحاجات ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، مجيب الدعوات، وفارج الكربات ، ومجزل النعم على البريات ، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، أصدق العباد قصدًا، وأعظمهم لربه ذكرًا وخشية وتقوى، صلى الله وسلم وبارك عليه ، وعلى آله الأتقياء وأصحابه الأصفياء ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد:
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن يقول: إذا هم أحدكم بأمر فليصلِّ ركعتين ثم ليقل:"اللهم إني أستخيرك بعلمك ، واستقدرك بقدرتك ، وأسألك من فضلك العظيم ، فإنك تقدر ولا أقدر ، وتعلم ولا أعلم ، وأنت علام الغيوب . اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر - ويسمي حاجته - خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاقدره لي ، ويسره لي ، ثم بارك لي فيه . وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري عاجله وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه ، واقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني به". [البخاري ]
مفردات الحديث:
الاستخارة: طلب الخيرة في شيء ، وهي استفعال من الخير أو من الخيرة - بكسر أوله وفتح ثانيه ، بوزن العنبة ، واسم من قولك خار الله له ، واستخار الله: طلب منه الخيرة ، وخار الله له: أعطاه ما هو خير له ، والمراد: طلب خير الأمرين لمن احتاج إلى أحدهما .
قال في عاجل أمر وآجله: هذا شك من الراوي ، وأي يقول هذا أو هذا ، وجاء في بعض الراويات الجمع بينهما بلفظ: وعاقبة أمري وعاجله وأجله .
يسمي حاجته: أي يذكرها بدل قوله (أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ) كأن يقول - اللهم إن كنت تعلم أن عملي في المكان الفلاني خير لي … إلخ .
التعليق على الحديث:
واعلم أن العبد يحتاج في فعل ما ينفعه في معاشه و معاده إلى علم ما فيه من المصلحة وقدرته عليه وتيسيره له - وليس له من نفسه شيء من ذلك ، بل علمه ممن علم الإنسان ما لم يعلم ، وقدرته منه ، فإن لم يقدره عليه وإلا فهو عاجز ، وتيسيره منه فإن لم ييسره عليه وإلا فهو بعد إقداره - أرشده النبي صلى الله عليه وسلم إلى محض العبودية وهو جلْب الخِيرَة من العالِم بعواقب الأمور وتفاصيلها وخيرها وشرها ، وطلب القدرة منه ، فإنه إن لم يقدره وإلا فهو عاجز ، وطلب فضله منه ، فإن لم ييسره له ويهيئه له وإلا فهو متعذر عليه ، ثم إذا اختاره له بعلمه وأعانه عليه بقدرته ويسره له من فضله فهو يحتاج إلى أن يبُقيه عليه ويديمه بالبركة التي يضعها فيه ، والبركة تتضمن ثبوته ونموه ، وهذا قدر زائد على إقداره عليه وتيسيره له ، ثم إذا فعل ذلك كله فهو محتاج إلى أن يرضيه به ، فإنه قد يهيئ له ما يكرهه فيظل ساخطًا ويكون قد خار الله له فيه .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ما ندم من استخار الخالق ، وشارو المخلوقين ، وثبت في أمره . وقد قال سبحانه وتعالى: ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ) (سورة آل عمرا ن: 159) ، وقال قتادة: ما تشاور قوم يبتغون وجه الله إلا هدوا إلى أرشد أمرهم.
قال النووي رحمه الله تعالى: باب الاستخارة والمشاورة:
والاستخارة مع الله ، والمشاورة مع أهل الرأي والصلاح ، وذلك أن الإنسان عنده قصور أو تقصير ، والإنسان خلق ضعيفًا ، فقد تشكل عليه الأمور ، وقد يتردد فيها فماذا يصنع …
طرق الاستخارة:
الطريق الأول: استخارة رب العالمين عز وجل الذي يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون .
الطريق الثاني:استشارة أهل الرأي والصلاح والأمانة ، قال سبحانه وتعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْر}
وهذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، وقال سبحانه وتعالى: { فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ } (سورة آل عمرا ن: 159) ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم هو أسدُ الناس رأيًا و أصوبهم صوابًا ، يستشير أصحابه في بعض الأمور التي تشكل عليه ، وكذلك خلفاؤه من بعده كانوا يستشيرون أهل الرأي والصلاح .
شروط الاستشارة:
1-أن يكون ذا رأي وخبرة في الأمور وتأن وتجربة وعدم تسرع .