فهرس الكتاب

الصفحة 9129 من 27345

بدران الحسن 28/11/1425

بين يدي المشكلة:

في كتابه القيّم (الصراع الفكري في البلاد المستعمرة) كتب مالك بن نبي -رحمه الله- منذ أكثر من أربعة عقود من الزمن يبين طرق ودور قوى ومراكز الصراع العالمية في قتل الأفكار والمشاريع في العالم الإسلامي، وذكر بأن هذه القوى تمارس مجموعة من الخطوات المتنوعة تتمثل الأولى في محاولة تشويه الفكرة ذاتها، فإذا فشلت هذه الخطوة فإنها تعمل على تخوين أصحاب الفكرة ذاتها لفكرتهم من خلال الوعد والوعيد أو من خلال تشويههم أمام الرأي العام المناصر لهم وللفكرة، فإذا فشلت هذه الخطوة، فإن الخطوة الأخرى هي تخوين الرأي العام ذاته للفكرة ولأصحاب الفكرة، وذلك من خلال إدخالهم في اهتمامات أخرى تبعدهم عن جوهر الفكرة الأساسية، أو من خلال إشعارهم بفقدان الجدوى منها أو عدم أهميتها.

وهي خطوات أو آليات ليست منفصلة عن بعضها البعض؛ فقد تكون متتالية الوقوع والتنفيذ، وقد تكون متزامنة، وذلك حسب حالة التلاحم بين الفكرة وأصحابها والجمهور المناصر لها.ولعل هذا ينبه إلى موضوع المحافظة على الإسلام ومنجزات الدعوة الإسلامية وحماية إطارها المرجعي لكي لا يقع له تحريف المبطلين، ولا انتحال الجاهلين، ولا تأويل الغالين. وهي مشكلة عويصة نواجهها في عصر العولمة، هذا الذي تكالبت فيه قوى البغي على أمتنا وديننا، وعلى جهود الصحوة وتريد أن تأتي على بنيانها من القواعد. فإذا أردنا أن يستمر الإسلام أصيلا، وأن تزهر الدعوة، وتؤتي أكلها في هداية الناس وتحقيق النهضة، فإننا ينبغي أن نضع مشكلة الحماية في بؤرة أفكارنا وتخطيطنا ومشاريعنا.

السيرة ودروس الحماية في مكة:

وقد لفت الأنظار إلى هذا الموضوع كثير من أعلام الصحوة قديمًا وحديثًا، ومن بينهم الأستاذ الشيخ الطيب برغوث أحد قادة ورواد الصحوة في المغرب العربي، وصاحب كتاب"حماية الدعوة والمحافظة على منجزاتها"والذي نشر منذ عدة سنوات. حيث نبّه فيه إلى الاستفادة والتأمل في الدعوة النبوية في المرحلة المكية حين كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يحافظ على الدعوة في محتواها وفي أفرادها، ذلك أن التجربة النبوية القدوة تمثل منهجًا ينبغي أن يتم التأسي به، بل يلزم دعاة المشروع الإسلامي والعاملين للإسلام أن يرتقوا بفهمهم وأدائهم الرسالي إلى مستوى الاقتداء بالتجربة النبوية المعصومة.

ولعل هذا يعطينا زاوية أخرى للنظر إلى التجربة النبوية القدوة من خلال تأمل السيرة وجعلها محلًا للدرس والاستفادة في استخراج النواظم المنهجية والآليات التي وظفها النبي -صلى الله عليه وسلم- في حماية الدعوة ورجالها من التشويه والتحريف والاختزال، وحماية مضمونها ومرجعيتها وقيمها.

والعمل للإسلام في هذه المرحلة العصيبة التي قُلبت فيها المفاهيم، وظهر فيها الطيب شريرًا والشرير طيبًا، وفي هذه المرحلة التي يريد أن يُفهمنا فيها كثير من أعداء الإسلام أن الدعوة إلى التوحيد والتزام السنة تطرّف، وأن عبادة القبور والدروشة والتجني على السلف تحرر واعتدال.

في هذا الظرف ينبغي علينا أن ننظر بنظرة كلية للتجربة النبوية لنستفيد منها في الوصول إلى منهجية سليمة للعمل للإسلام،"تضمن عدم تسرب الخلل إلى مضمونه المرجعي، وحمايته من التشويه، والتحريف، والاختزال في كل مراحل الطريق، وضمان روح الاستمرارية، والمحافظة على المنجزات، واستثمارها بفاعلية".

وإذا نظرنا إلى السيرة النبوية فإنها تسجل لنا بعض التحديات التي واجهتها الدعوة في مضمونها وفي قياداتها وفي قاعدتها؛ ففي مستوى الدعوة وقيادتها كان مشركو قريش يحاولون النيل من مصداقية الدعوة ومصداقية النبي -صلى الله عليه وسلم- فاتهموه بأنه شاعر وبأنه مجنون وبأنه ساحر، وغيرها من التهم، كما أنهم حاولوا عزله -عليه الصلاة والسلام- وتركه يواجههم وحده من خلال محاولة استمالة عمه أبي طالب وبني هاشم ترغيبًا وترهيبًا.

كما أنهم حاولوا إظهار الدعوة الإسلامية والنبي -صلى الله عليه وسلم- بمظهر العجز، وعدم امتلاك مشروع حقيقي من خلال محاولة تقديم أسئلة تعجيزية، وتصعيد وتائر الاضطهاد والإيذاء، ثم في محاولة خنق الدعوة وأهدافها.

لكن النبي -صلى الله عليه وسلم- أبدى عناية كبيرة بالمحافظة على الدعوة ورجالها الأوائل من التبديد والهدر، واستطاع أن يصمد هو وأصحابه في وجه محاولات الاحتواء والضغوط والمعاناة.

كما تعامل النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه بحكمة ومرونة مع معطيات الواقع بما يضمن حماية الدعوة والسير قدمًا نحو الأهداف المنشودة. وهي مرونة منضبطة وعت سلطان القبيلة وعاداتها، واستفادت منه. كما استفادت قيادة الدعوة من تناقضات القوى المضادة. واستمرت على ثبات سيرتها وانسجامها مع أطروحات الدعوة، وحرصت على ضمان استمراريتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت