* محمد الأديب
لاثبات وجود المعبود الذي هو خليق وجدير بأن يكون معبودًا لهذه الانسانية، ومصدرًا للهداية السماوية، ومنبعًا لكل فضيلة، ووسيلة لكل خير وحسنة، ومرشدًا لكل ما فيه الخير والرفاه والسعادة الأزلية الأبدية، نورد بعض الأدلة والبراهين العقلية والعلمية التي لا يمكن أن يرفضها ذوو العقول، وأولوا الألباب وهي:
1 ـ أن كل نفس لا تخلو من جهتين:
إما أن تكون هي التي صنعت نفسها وكانت موجودة، أو صنعتها وكانت معدومة، فإن كانت صنعتها وهي موجودة فقد استغنت بوجودها عن صنعتها، وإن كانت معدومة فانك تعلم أن المعدوم لا يحدث شيئًا فلابد من وجود صانع صنع الأشياء ولم يصنع.
2 ـ لابد لكل مصنوع من صانع:
فكيف يمكن أن تخلق السماوات بما فيها، من النجوم والكواكب والأقمار والشموس، والأرض وما عليها من الحيوانات والنباتات وما في باطنها من الماء والمعادن فلا بد من وجود من خلقها وسواها وهو الله تعالى.
3 ـ كيف تكونت أجسام الحيوانات بهذه الصناعة البديعة؟ ولأي المقاصد وضعت أجزاؤها المختفة؟
هل يعقل أن تصنع العين الباصرة بدون علم بأصول الأبصار ونواميسه والأذن بدون المام بقوانين الصوت؟
كيف يحدث أن حركات الحيوانات تتجدد بارادتها؟
ومن أين هذا الالهام الفطري في نفوس الحيوانات؟
فان هذه الكائنات كلها في قيامها على أبدع الأشكال وأكملها، ألا تدل على وجود مَن هو منزه عن الجسمانية، حي حكيم، موجود في كل مكان، يرى حقيقة كل شيء في ذاته، فطبعًا ذلك هو الله جل شأنه.
4 ـ من الجلي الواضح بأنه لا يوجد أي سبب طبيعي استطاع أن يوجه جميع الكواكب وتوابعها للدوران في جهة واحدة وعلى مستوى واحد بدون حدوث أي تغيير يذكر، كما يصرح بهذا جميع العلماء والفلكيين بالنظر لهذا الترتيب يدل وجود حكمة سيطرت عليه وتلك هي (الله تعالى) .
5 ـ ان في تكوين الأجرام السماوية التي استطاعت الذرات المبعثرة أن تنقسم إلى قسمين:
القسم المضيء منها انحاز إلى جهة لتكوين الأجرام المضيئة بذاتها كالشمس والنجوم.
والقسم المعتم تجمع في جهة أخرى لتكوين الأجرام المعتمة كالكواكب المعتمة وتوابعها (الثابت في علم الفلك) لا يعقل حصوله كما هو الظاهر إلا بفعل عقل لا حد له وهو الله عظمت قدرته.
6 ـ في مثل هذا العصر العلمي الذي وصلت درجة العلوم والمكتشفات والمخترعات إلى أعلى مراتبها، وبلغت أقصى حدودها، بما أوجدتها تلك العلوم من الأشياء والأدوات والآلات التي تحير العقول، فانها لم تتوصل ولن تتوصل إلى خلق انسان أو حيوان أو نبات بتركيبه الحقيقي قادر على القيام بميمزات الاحياء أو لاكتشاف ما يدفع عن الانسان خطر الموت.
فينظر من هذا كله انه لابد لوجود قوة جبارة قادرة فوق القوة البشرية المتصورة متصفة بصفات أرقى مما يمكن أن يتوصل البشر إلى معرفتها والتي أحدثت هذا العالم وهي (الله جل شأنه) .
7 ـ من المحقق أن الحركات الحالية للكواكب لا يمكن أن تنشأ من مجرد فعل الجاذبية العامة، لأن هذه القوة تدفع الكواكب نحو الشمس فيجب لأجل أن تدور هذه الكواكب حول الشمس أن توجد يد إلهية تدفعها على الخط المماس لمداراتها.
8 ـ أن الممكنات الموجودة سواء أكانت متناهية أو غير متناهية قائمةب وجود، فذلك الوجود إما أن تكون مصدره ذات الامكان وماهيات الممكنات وهو باطل لأنه من الماهيات الممكنة بمقتضى الوجود.
فتعين أن يكون مصدره سواها وهو الواجب بالضرورة وهو الله سبحانه وتعالى.
9 ـ ان جملة الممكنات الموجودة ممكنة بداهة وكل ممكن محتاج إلى سبب يعطيه الوجود.
فثبت ان للممكنات الموجودة موجدًا واجب الوجود وهو الباري جلت قدرته.
10 ـ لما كان العالم حادثًا وانه لم يوجد من ذاته لأن الحصول على الوجود حدث يقتضي له الفعل، فمن الضرورة أن يكون موجودًا أو لا أو غير العالم أخرجه من العدم إلى الوجود.
ومن استحالة التسلسل إلى ما لا نهاية له يحكم العقل على أن هذا الوجود الذي اوجد العالم وما فيه هو موجود أول واجب الوجود بذاته وهو مبدأ كل موجود وهذا الموجود الأول هو الذي ندعوه (بالله تعالى) .
11 ـ ان أول انسان نشأ في حضن الطبيعة ومتع النظر في هذا الكون الفسيح أذعن لأول وهلة إلى أن له مبدعًا أبدعه وموجودًا أوجده وذلك الفجر الذي يطرأ عليه عند اهتمامه بأمر نفعه الذاتي ودرأ الكوارث الطبيعية عن نفسه مهما توسعت لديه الحيلة وحصوله على ما لم يكن بحسبانه من غير داع وسقوط ما في يده بعد أشد الحرص عليه بالرغم عنه وإخضاعه لمن هو أشد منه قوة فمن هذه النقائض وفسخ العزائم ونقض الهمم ونظائرها علم بأن لهذه الارادات الخفية، والالهامات الغريبة مريدًا يصرفها بمشيئته.
وذلك المريد الفعال هو الله الخالق.