فهرس الكتاب

الصفحة 864 من 27345

12 ـ ان نشوة الأزهار الجميلة الزاهية بألوانها ذات العطور الشذية من تلك المادة الجامدة التي لا حس لها ولا حراك وحدوث الأثمار اللذيذة الشهية من ذات هذه الجامدة على ما فيها من أريج فوّاح والتي حيرت عقول علماء الطبيعة، إذ لا يدرون كيف تستحيل هذه المواد الأرضية إلى أجزاء حية صالحة، لأن تكون أجزاء النباتات العفنة كيف لا يأخذ كل نبات إلا المواد الضرورية له دون سواه، مع ان المواد كلها موجودة في التربة على السواء.

فهل جاءت كلها على سبيل الصدفة العمياء؟

كلا! بل لابد أن يكون لها من يدبرها وهو الله المدبر الحكيم.

13 ـ لو دققنا بنظر الاختبار والتفحص بيضة طير من الطيور ولاحظنا الطبقات التي تحتوي عليها تلك البيضة من قشرة كلسية خارجية صلبة لحفظها من الطوارئ الخارجية وقشرة خفيفة هلامية ثابتة ثم طبقتي الأح والمح اللذين لا يختلطان ولا يمتزجان معًا مهما اهتزت البيضة ورجت ومهما بقيت وفي أي مكان وضعت.

فما هي يا ترى تلك القوة التي تحول دون امتزاجهما التي سببت تركيبهما على هذا الترتيب والتنسيق والنظام؟

وما هي تلك القوة التي تخرج من هذه البيضة البسيطة التي لا يمكن رؤية أي شيء منها بأية آلة كانت سوى ما ذكر من طبقاتها الملونة البيضاء والصفراء ذلك الطائر الجميل الريش كالطاووس مثلًا أو ذلك الطائر المغرد الجميل كالببغاء.

أهي الطبيعة أو الصدفة؟

كلا! ثم كلا! إذًا لو فكر مليًا لوجد أنها هي: (الله القادر البارئ المصور) .

14 ـ لو وضعت قطرة من (المني) تحت المجهر لما ظهرت فيها إلا تلك الحيوانات الصغيرة.

فلو فكر الانسان في تلك القوة الجبارة التي تجعل من هذه القطرة المنوية التي ليس فيها إلا ما هو أشبه بالعلق الصغير ذلك الطفل ذو اليدين والرجلين وذو الحواس الخمس الذي تحير خلقته العقول ثم يبدأ هذا الطفل رويدًا رويدًا بالنمو والتكامل حتى يصبح انسانًا.

أيمكن العقل أن يصدق بأنها صارت على سبيل الصدفة وعلى منهاج الطبيعة؟

أليس هناك ما يجب أن يصدقه العقل من القوة الكامنة في ما وراء هذه الطبيعة التي خلقت منها الانسان؟ والتي تدبر أموره وتسير شؤونه في الحياة؟

فان تلك القوة العظيمة الحكيمة المدبرة الخالقة هي (الله تعالى) جلت قدرته.

15 ـ ان سعة حيلة الحياة في تحقيق أغراضها يدل على تدبير عقل منبث في خلالها جميعًا.

فلم يستطع انسان ما أن يدرك كنه هذه الحياة فهي لا وزن لها ولا طول ولا عرض ولا كثافة، ولكنها تنطوي على قوة فالجذر النامي مثلًا يشق الصخر شقًا، وقد تغلبت الحياة على الماء واليابسة والجو، وسيطرت على العناصر.

فمن الذي أوجدها في الأرض (غير الله تعالى) ؟

16 ـ ان حكمة الحيوان تنطق بلسان لا تردد حجته بأن لها خالقًا كريمًا بث الغريزة في حيوانات صغيرةك انت ولولا هذه الغريزة لكانت أحياء عاجزة.

ان سمك السلمون الصغير، يقضي سنوات في البحر، ثم يعود إلى نهره، ويشق طريقه في النهر على الجانب الذي يصب فيه الجدول الذي ولد فيه.

فمن يرجعه إلى مسقط رأسه بمثل هذه الدقة العجيبة؟

وإذا نقلته إلى جدول آخر غير جدوله أدرك من فوره انه ضل طريقه فيكافح لكي يعود إلى مجرد النهر الكبير ثم ينقلب مواجهًا تياره ويمضي حتى ينتهي إلى غايته على أدق وجه.

والزنبور يقهر الجدجد ثم يحفر حفرة صغيرة في الأرض ويلدغ الجدجد حيث ينبغي له أن يلدغه حتى يموت بل لكي يفقد وعيه ويظل حيًا يصلح للأكل، فكأنه لحم محفوظ، ثم تضع أنثى الزنابير في المكان الصالح حتى اذا انفلقت عن صغار الزنابير استطاعت أن تأكل من الجدجد دون أن تميته فان لحم الجدجد الميت يقتلها ثم تطير الأم وتموت فلا تقع عينها على صغارها أبدًا ولابد أن تكون أنثى الزنابير قد أتمت كل هذا على أوفى وجه وأدقه منذ المرة الأولى وفي كل مرة، ولو لم تفعل ذلك لما كان في الدنيا زنابير.

ولا يسعنا أن تعلل هذه الأساليب الغامضة بالتكيف والملائمة بل هي ممنوحة منه سبحانه وتعالى.

17 ـ في الانسان شيء أكثر من غريزة الحيوان ذلك هو قدرة العقل التي تبرهن للانسان أنها لم تخلق صدفة بل خلقها خالق عظيم الشأن وهو الله. فبفضل العقل البشري نستطيع أن نتأمل في الرأي القائل بأننا بلغنا ما بلغنا، لأننا تلقينا قبسًا من ذلك العقل الشامل.

18 ـ ان ما نراه في الطبيعةم ن أساليب التدبير يقسرنا على أن نرى أن حكمة لا حدود لها هي وحدها القادرة على أن تنفذ الغيب وتدبر الأمر بمثل هذه القدرة والرشد.

19 ـ ان قدرة الانسان على أن يتصور فكرة وجود الله هي نفسها برهان فذ على وجوده تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت