فهرس الكتاب

الصفحة 25161 من 27345

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

فإن قضايا الحاكم والحكومات؛ من الأمور العظام التي وقع فيها خلط وتخليط ورغبات، وعظمت فيها الأهواء وارتفعت الرايات، وشنت من أجلها الغارات والهجمات، حتى وصل فيها الأمر مع المخالف إلى التبديع والتفسيق والرمي بعظيم الملمات، بل ربما وصل الحد إلى التكفير والرمي بأبشع الضلالات.

والأمر يحتاج إلى تثبت ووقفات؛ قبل إصدار الحكم أو التسرع بإعلان الحرب وشن الغارات.

حاجة الناس إلى حاكم يسمعون و يطيعون له

فإن من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أنه لا دين إلا بجماعة و لا جماعة إلا بإمامة و لا إمامة إلا بسمع و طاعة و أن الخروج عن طاعة ولي الأمر و الدعوة للخروج عليه من أعظم أسباب الفساد في البلاد و العباد و العدول عن سبيل الهدى و الرشاد (1) .

قال الحسن البصري:"و الله لا يستقيم الدين إلا بولاة الأمر و إن جاروا و ظلموا و الله لما يصلح الله بهم أكثر مما يفسدون" (2) .

و قال ابن رجب:"السمع و الطاعة لولاة أمور المسلمين فيها سعادة الدنيا و بها تنتظم مصالح العباد في معايشهم و بها يستعينون على إظهار دينهم و طاعة ربهم" (3) .

و الخروج عن طاعة ولي الأمر و الدعوة للخروج عليه بغزو أو غيره:"معصية و مشاقة لله و رسوله و مخالفة لما عليه أهل السنة و الجماعة السلف الصالح" (4) .

وقد وقعت مقاييس في الجيل الأول وتفاضل بين الحكام أدى إلى فساد عريض كما قورن بين سيرة عثمان رضي الله عنه في حكمه وبين سيرة أبي بكر وعمر مما أدى إلى التجرؤ عليه وأفضى ذلك إلى قتله رضي الله عنه وكذلك ما وقع لعلي رضي الله عنه ووصل الحد إلى تكفيره والخروج عليه وهكذا كلما قورن الحاكم بمن قبله وقع الخلل وعظم التباين إن لم ينضبط بضابط من الشرع.

موقف أهل السنة من حكام المسلمين

والحاكم هو كل من تولى أمر المسلمين؛ سواء كان قرشيا أو غير قرشي عبدا أو حرا, تولى بمشورة واختيار أو بغلبة وقهر, برا كان أو فاجرا, سنيا كان أو مبتدعا, فهؤلاء جميعا يجب لهم السمع والطاعة في المنشط والمكره والعسر واليسر ما لم يأمروا بمعصية.

عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَهَا ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَاضًّا فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ ثُمَّ سَكَتَ) [رواه أحمد (17939) ]

فقد بين النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن هؤلاء جميعا هم حكام المسلمين فيهم البر والفاجر والعدل والظالم مع الأخذ في الاعتبار أنها لا تكون ابتداء إلا في قريش.

فوجبت طاعتهم والإحسان لمحسنهم والصبر على مسيئهم وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار أنهم سيحرمون هذا الأمر بعده ووعدهم بالأجر في الآخرة.

عَنْ أَنَسِ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْأَنْصَارِ: (إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي وَمَوْعِدُكُمْ الْحَوْضُ) [البخاري (3793) ]

قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (فَإِنْ كَانَ لِلَّهِ يَوْمَئِذٍ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ جَلَدَ ظَهْرَكَ وَأَخَذَ مَالَكَ فَالْزَمْهُ) [رواه أحمد]

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنْ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ) [البخاري (7142) ]

قال الحافظ"الفتح": الإمامة لا تكون إلا في قريش وأجمعت الأمة أنها لا تكون في العبيد، وأما لو تغلب عبد حقيقة بطريق الشوكة فإن طاعته تجب إخمادا للفتنة ما لم يأمر بمعصية.

ولا تشق عصا الحكام ولا يخرج عليهم أحد من المسلمين؛ لا سرا ولا جهرا مادام يحكم لهم بالإسلام, ولا يكفر الحاكم بشبه ولا بأمر عليه خلاف بل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم كفرا بواحا, أي واضحا بينا لا غموض فيه ولا لبس, عندكم فيه من الله برهان لا مرجع لهوى أو إلى أراء الرجال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت